قائمة الصفحات

السبت، 19 يناير 2019

قصة قصيرة ( الحلقة5)لا أريد زوجة محجبة... ...لا أريد زوجة متبرجة!

قصة قصيرة (الحلقة 5)

لا أريد زوجة محجبة...
...لا أريد زوجة متبرجة!
د: يزيد حمزاوي
...يوشك الشهر الثالث للهجر أن يهلَّ والوضع لم يتغير والمقاطعة لم ترفع... ومنذ زواج محمد وعائشة كان بيتهما هادئا لا صخب فيه ولا ضجيج، فلا أولادا يصرخون ولا بنات يلعبنّ بين غرفه وردهاته...فقد كان الزوج عقيما لا يُنجب، ومع ذلك رضيت عائشة بالبقاء معه ولو كلفها العيش في الشقاء... وفي الشهرين الأخيرين، حتى أصوات الزوجين لم تعد تسمع في جنبات البيت، فكأنه بيت مهجور، لا يتردد فيه سوى صمت القبور...فمحمد لا يكلمها ولا يرد على خطابها ويتجنبها ما استطاع...يلقي مصروف البيت على الطاولة، ويخرج ثم يعود ليلا لينام وحده في غرفته.
كانت عائشة تمضي وقتها في تلاوة القرآن، وقراءة بعض الكتيبات الدينية، والاستماع إلى الأناشيد الإسلامية...كانت تعجبها أنشودة "غرباء"، وأنشودة "فرشي التراب"، وأنشودة "هي جنة"،... تسْبَح عند الإنصات إليها في الملكوت فتنسيها عذاباتها وأوجاعها... عندما تسمع "فرشي التراب" تبكي خوفا من مولاها، أما أنشودة "هي جنة" فتشوقها لدار الخلد ونعيمها، بينما تمنحها أنشودة "غرباء" القوة والشجاعة لتواجه مصيرها، كانت بحاجة في هذه الدنيا إلى بعض الصبر والمقاومة.... فالحياة معركة لا تنتهي إلا بالرحيل عنها.
ذات ليلة بينما هي على تلك الأحوال الإيمانية، سمعت محمدا يحدثها... فلم تصدق أذنيها...فكلَّمها ثانية... فأدركت أنه يخاطبها حقيقة وليس في الحلم...
فقالت: نعم يا قلبي وروحي ...نعم يا حبيبي...نعم يا عزيزي.
كم كانت مشتاقة للكلام معه وسماع صوته! لكن يبدو أنه لا يبادلها تلك الأشواق الحارة فقال: خلاص... خلاص.. يكفينا رومانسيات...لستُ هنا للهيام والغرام... إنما أردت أن أخبرك أنني نلت ترقية في الجامعة، لقد أصبحت رئيسها... وأصدقائي قادمون يوم السبت، يريدون إقامة حفلة كبيرة تكريما لي واحتفاء بي.
عائشة: ممتاز..رائع...يا لفرحتي!!، سأُعد كعكة ضخمة لك ولأصدقائك....غدا صباحا سأخرج لأشتري المستلزمات...دع الأمر لي... ستأكل كعكة لم ترها ولم تذق طعمها حتى في باريس....
غمرت عائشة نشوة الفرحة...كالبنت الصغيرة تقفز حبورا وقلبها يدق سرورا...لقد كلمها زوجها بعد شهرين من المقاطعة والهجران... وأخبرها بهذا النبأ السعيد... تعيينه رئيسا للجامعة.... كانت الساعة متأخرة...دخلت غرفتها مسرعة وسحبت الباب وراءها دون أن تغلقه تماما... فتحت خزانتها وأخرجت ثوبا جديدا مغريا كانت أعدته لهذه الليلة...ليلة المصالحة... مشّطت شعرها، كحلت عينيها، تجملت بأحمر الشفاه، وضعت بعض الأصباغ هنا وهناك، ثم رشّت نفسها وثوبها بعطر فواح... عملت كل ما تعمله المرأة لتعجب الرجل...  يا للنساء كم هنّ مستعدات ليفعلن بأنفسهن الأفاعيل من أجل إرضاء نزوات الرجال...!! بعضهن يبالغن في تلك الأصباغ حتى يشبهن المهرجين...لأنهن يعلمن أن الرجال في الواقع أطفال أمام النساء، فهم أشبه بالأطفال المنبهرين أمام المهرجين!!!...لكن عائشة كانت مختلفة لم تهرج يوما خارج مملكتها، ولا رآها أحد ولا شم عطرها...ولم تكن بحاجة إلى تلك المساحيق والمواد التجميلية... فقد حباها الله بجمال طبيعي أخاذ وقدٍّ ممشوق...ولم تضعف يوما أو فكرت مرة في كشفه لغير زوجها أو تفخر به أمام قريناتها...كما تفعله كل مهوسة ببعض نتف من الحسن، أو مكبوتة بسبب إعراض الذكور عنها... لكن اليوم جمعت عائشة بين الطبيعي والاصطناعي... لأنها ليلة ليست ككل الليالي...
 خرجت تمشي على أصابع رجليها حتى لا تحدث صوتا... كأنها أرادت أن تفاجئه بجمالها ورشاقتها وشوقها.... لكنها لم تجده في المكان الذي تركته فيه، فتوجهت إلى غرفة نومه، فألفتها مغلقة بإحكام من الداخل وموصدة كالحصن بالمفتاح... وغطيط محمد يقرع الجدران وشخيره يكاد يبلغ عنان السماء.
خاب ظنها وكُسر خاطرها وذرفت دمعة بل دموعا... فانقلبت إلى فراشها والغُصة في حلقها والمرارة تخنقها.... استلقت على ظهرها تنظر إلى السقف، وضعت السماعات على أذنيها... أطفأت المصباح... وضغطت على زر هاتفها فانطلقت إلى عالمها الجميل والساحر.. بدأت أنشودة "فرشي التراب" ثم أنشودة "هي جنة" فنسيت ما حدث لها قبل دقائق، ورجعت إلى سابق عهدها....تلت أذكار النوم وأدعيته واستسلمت كالطفلة للنوم بدورها....(يتبع)
د: يزيد حمزاوي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق