*مذهب_المالكية_في_حكم_إبقاء_وبناء_المعابد_الشركية
* مذهب المالكية في حكم بناء وإحداث معابد اليهود والنصارى ومجامعهم الكفرية من الكنائس والبِيَع ونحوها، وحكم إبقائها:
وبيان ذلك -بحول الله وقوته- في فصلين:
أحدهما: في بيان مذهب المالكية في ذلك مُهذباً مُرتباً مُفصلاً، مع الإشارة إلى بعض مواضع الإجماع بين الفقهاء في ذلك عموماً.
الثاني: نقل كلام أئمة المالكية في ذلك -رحمة الله عليهم- .
وذلك كله حتى يكون القارئ على بينةٍ من أمره في ذلك، وتكميلاً للفائدة، ومزيداً في الاطلاع -إن شاء الله- .
مع التنبيه: أنه سيتم نشر منشور مستقل في بيان مذاهب الفقهاء في ذلك عموماً -إن شاء الله- ، فنقول:
* الفصل الأول: بيان مذهب المالكية في حكم بناء وإحداث معابد اليهود والنصارى وحكم إبقاؤها:
وبيان ذلك: أن البلاد التي تفرق فيها أهل الذمة والعهد من النصارى واليهود ثلاثة أقسام:
أحدها: بلاد أسسها المسلمون وأنشؤوها استقلالاً ومصَّروها في الإسلام، فلا يوجد فيها كنائس عامرة قبل الفتح أصلاً.
الثاني: بلاد أُنشئت قبل الإسلام، وفتحها المسلمون عنوةً بالقوة، وملكوا أرضها وساكنيها.
الثالث: بلاد أُنشئت قبل الإسلام وفتحها المسلمون صلحاً.
- فأما القسم الأول: وهي الأمصار التي أنشأها المسلمون وبنوها.
فلا يجوز تمكينهم من إحداث معابدهم فيها بالإجماع من المالكية وسائر الفقهاء.
وما أُحدثت بعد ذلك، وجب إزالته بالإجماع.
وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد من أهل العلم:
قال الإمام أبو الوليد ابن رشد "الجد" القرطبي المالكي -رحمه الله- ( المتوفى: ٥٢٠ هـ ) في "البيان والتحصيل": (( وسئل مالك عن الكنائس التي في الفسطاط المحدثة في خطط الإسلام، إن أعطوهم العراض، وأكروها منهم يبنون فيها الكنائس، قال مالك: أرى أن تغير وتهدم، ولا يتركوا ذلك، ولا خير فيه)).
قال الإمام ابن رشد -رحمه الله-: (( هذا مثل ما في المدونة وغيرها، وهو مما لا اختلاف فيه أعلمه، والأصل في ذلك ما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا ترفعن فيكم يهودية ولا نصرانية» يعني: البيع والكنائس... )). انتهى المقصود، وسأذكر كلامه -رحمه الله- بتمام فما يلي، وكذلك غيره من أئمة المالكية، وإنما المقصود الآن الإشارة إجماع أهل العلم في ذلك.
قال الإمام ابن تيمية -رحمه الله- في رسالته "مسألة في الكنائس" ما نصه: (( ...وقد اتفق المسلمون على أن ما بناه المسلمون من المدائن لم يكن لأهل الذمة أن يحدثوا فيها كنيسة، مثل ما فتحه المسلمون صلحاً، وأبقوا لهم كنائسهم القديمة، بعد أن شرط عليهم فيه عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أن لا يحدثوا كنيسة في أرض الصلح، فكيف في بلاد المسلمين؟! )).
قال الإمام ابن القيم -رحمه الله- في كتابه "أحكام أهل الذمة": (( البلاد التي تفرق فيها أهل الذمة والعهد ثلاثة أقسام:
أحدها: بلاد أنشأها المسلمون في الإسلام.
الثاني: بلاد أنشئت قبل الإسلام فافتتحها المسلمون عنوة وملكوا أرضها وساكنيها.
الثالث: بلاد أنشئت قبل الإسلام وفتحها المسلمون صلحا.
فأما القسم الأول: فهو مثل البصرة والكوفة وواسط وبغداد والقاهرة...))، ثم قال -رحمه الله- بعد أن ذكر بعض الآثار والشواهد على من أنشء هذه الأمصار: (( وكذلك " سامرا " بناها المتوكل.
وكذلك " المهدية " التي بالمغرب، وغيرها من الأمصار التي مصرها المسلمون.
فهذه البلاد صافية للإمام إن أراد الإمام أن يقر أهل الذمة فيها ببذل الجزية جاز، فلو أقرهم الإمام على أن يحدثوا فيها بيعة أو كنيسة أو يظهروا فيها خمرا أو خنزيرا أو ناقوسا لم يجز، وإن شرط ذلك وعقد عليه الذمة كان العقد والشرط فاسداً، وهو اتفاق من الأمة لا يعلم بينهم فيه نزاع. ))، ثم قال بعد أن ذكر بعض النصوص والآثار الواردة في ذلك: (( ...وهذا الذي جاءت به النصوص والآثار هو مقتضى أصول الشرع وقواعده، فإن إحداث هذه الأمور إحداث شعار الكفر، وهو أغلظ من إحداث الخمارات والمواخير، فإن تلك شعار الكفر وهذه شعار الفسق، ولا يجوز للإمام أن يصالحهم في دار الإسلام على إحداث شعائر المعاصي والفسوق، فكيف إحداث موضع الكفر والشرك؟ ! )).
- بل قد أجمع أئمة الدين على أنه لا يجوز لهم إحداث معابدهم بين أظهر المسلمين في المدن والأمصار التي سكنها المسلمون سواء في أرض العنوة أو أرض الصلح، وإنما اختلفوا في جواز إحداث ذلك في القرى والمواضع المنعزلة والمنقطعة عن أهل الإسلام في أرض العنوة، واختلفوا في حكم إبقاء "المعابد القديمة" قبل فتح المسلمين في أرض العنوة.
قال الشيخ ابن هُبَيْرَة -رحمه الله- في كتابه "اختلاف الأئمة العلماء" ما نصه: (( واتفقوا على أنه لا يجوز لهم إحداث كنيسة ولا بيعة في المدن والأمصار في بلاد الإسلام.
ثم اختلفوا هل يجوز إحداث ذلك فيما قارب المدن؟
فقال مالك وأحمد والشافعي: لا يجوز أيضا.
وقال أبو حنيفة: إن كان الموضع قريبا من المدينة بحيث يكون حكمه حكم المصر بحيث يجوز فيه صلاة الجمعة أو العيدين، وهو قدر ميل أو أقل، وهو ثلث فرسخ فلا يجوز فيه إحداث ذلك، وإن كان الموضع أبعد من هذا المقدار جاز.
فأما إذا كان بين البيوت وكان ذلك الموضع دون ثلث فرسخ فهو في حكم البلد لا يجوز إحداث البيع فيه. )).
قال الإمام ابن تيمية -رحمه الله- بعد أن بيَّن حكم ما كان من معابدهم القديمة قبل فتح المسلمين في ضمن فتوى ذكرها ابن القيم في كتابه "أحكام أهل الذمة"، ما نصه: (( ...أما ما أحدث بعد ذلك فإنه يجب إزالته، ولا يمكنون من إحداث البيع والكنائس كما شرط عليهم عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في الشروط المشهورة عنه: "أَلَّا يُجَدِّدُوا فِي مَدَائِنِ الْإِسْلَامِ وَلَا فِيمَا حَوْلَهَا كَنِيسَةً وَلَا صَوْمَعَةً وَلَا دَيْرًا لَا قِلَّايَةً"، امتثالاً لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لَا تَكُونُ قِبْلَتَانِ بِبَلَدٍ وَاحِدٍ»، رواه أحمد وأبو داود بإسناد جيد.
ولما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "لَا كَنِيسَةَ فِي الْإِسْلَامِ".
وهذا مذهب الأئمة الأربعة في الأمصار، ومذهب جمهورهم في القرى، وما زال من يوفقه الله من ولاة أمور المسلمين ينفذ ذلك، ويعمل به مثل عمر بن عبد العزيز الذي اتفق المسلمون على أنه إمام هدى، فروى الإمام أحمد عنه أنه كتب إلى نائبه عن اليمن أن يهدم الكنائس التي في أمصار المسلمين، فهدمها بصنعاء وغيرها.
وروى الإمام أحمد عن الحسن البصري أنه قال: "مِنَ السُّنَّةِ أَنْ تُهْدَمَ الْكَنَائِسُ الَّتِي فِي الْأَمْصَارِ الْقَدِيمَةِ وَالْحَدِيثَةِ".
وكذلك هارون الرشيد في خلافته أمر بهدم ما كان في سواد بغداد.
وكذلك المتوكل لما ألزم أهل الكتاب "بشروط عمر" استفتى علماء وقته في هدم الكنائس والبيع فأجابوه، فبعث بأجوبتهم إلى الإمام أحمد، فأجابه بهدم كنائس سواد العراق، وذكر الآثار عن الصحابة والتابعين، فمما ذكره ما روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: "أَيُّمَا مِصْرٍ مَصَّرَتْهُ الْعَرَبُ - يَعْنِي الْمُسْلِمِينَ - فَلَيْسَ لِلْعَجَمِ - يَعْنِي أَهْلَ الذِّمَّةِ - أَنْ يَبْنُوا فِيهِ كَنِيسَةً، وَلَا يَضْرِبُوا فِيهِ نَاقُوسًا، وَلَا يَشْرَبُوا فِيهِ خَمْرًا.
أَيُّمَا مِصْرٍ مَصَّرَتْهُ الْعَجَمُ فَفَتَحَهُ اللَّهُ عَلَى الْعَرَبِ فَإِنَّ لِلْعَجَمِ مَا فِي عَهْدِهِمْ، وَعَلَى الْعَرَبِ أَنْ يُوفُوا بِعَهْدِهِمْ وَلَا يُكَلِّفُوهُمْ فَوْقَ طَاقَتِهِمْ". )).
- تنبيه: يدخل في هذا القسم: الأمصار التي أُنشئت قبل الإسلام، لكن أهلها كلهم دخلوا الإسلام، فأصبحت بلاد خالصة لأهل الإسلام، لأن أهلها الذي أنشؤوها أصبحوا مسلمين، فحكمها حكم الأمصار التي أنشأها أهل الإسلام.
- وأما القسم الثاني: وهي الأمصار التي أُنشئت قبل الإسلام، وفتحها المسلمون عنوةً وقهراً.
فقد ذهب المالكية إلى وجوب إزالتها سواءاً ما كان فيها من "المعابد القديمة" قبل فتح المسلمين، أو "المعابد المحدثة" بعد الفتح، وإن كانوا منعزلين ومنقطعين عن أهل الإسلام.
والأدلة على ذلك -بالإضافة إلى ما تم الإشارة إليه من نصوص وآثار- من أوجه:
أحدها: أن البلاد قد صارت ملكاً للمسلمين بما فيها أمكنة البيع والكنائس، وقهرنا لهم أزال ذلك، وتركها لهم؛ إخراج ملك المسلمين عنها، فلا نعيدها لهم بلا عهد قديم، كالبلاد التي مصَّرها المسلمون.
الوجه الثاني: أنَّ تمكين الكفار من إقامة شعار الكفر فيها كبيعهم وإجارتهم إياها لذلك.
الوجه الثالث: أنه كما لا يجوز إبقاء الأمكنة التي هي شعار الفسوق والمعاصي كالخمارات والمواخير، فمن باب أولى وأحرى الأمكنة التي هي شعار الكفر والشرك.
الوجه الرابع: أن الله تعالى أمر بالجهاد حتى يكون الدين كله له، وتمكينهم من إظهار شعار الكفر في تلك المواطن جعل الدين له ولغيره، فيكون إبطال للحكمة والمقصود الذي من أجله أُمر بالجهاد.
الوجه الخامس: أن إقرارهم على معابدهم القديمة جعل لأهل العنوة المعاندين المحاربين كأهل الصلح المنقادين، وهدر لجُهد المجاهدين الذين فتحوها بلا صلح ولا عهد، بل جاهدوا بأنفسهم وأموالهم من أجل فتحها، مع أن أهلها كان بمقدورهم عقد الصلح، وقد خيروا في ذلك، فرفضوا، ففُتِحت عنوةً.
- وأما القسم الثالث: وهي الأمصار التي أُنشئت قبل الإسلام، وفتحها المسلمون صلحاً:
1- أما حكم إبقاء معابدهم القديمة التي كانت قبل الفتح إذا وقع الصلح معهم على ذلك، وكان ذلك شرطاً في عقدهم: فيوفى لهم بالإجماع إذا لم ينقضوا العهد.
فلا يجوز بالإجماع إزالة كنائسهم القديمة قبل الفتح التي وقع عليها الصلح، ويُمنعون من ترميم وإصلاح كنائسهم القديمة إذا رثت إلاَّ إذا كان ذلك شرطاً في عقدهم، فيوفى لهم، ولا يزيدون في البنيان عليها لا سعةً ولا ارتفاعاً، ولا ظاهراً ولا باطناً.
وذلك كله بشرط: أن لا يظهروا شيئاً من منكراتهم وشعائر كفرهم بين أظهر المسلمين:
فلا يرفعوا صليبهم وشعارات كفرهم على معابدهم وظاهرها، ولا يضربوا بناقويسهم إلا ضرباً خفياً في جوف كنائسهم، وكذلك يمنعوا من إظهار منكارتهم في الأماكن العامة، من إظهار الصليب والخمر والخنزير في الطرق وأسواق المسلمين، ولا يمنعوا من ذلك إذا ستروه عنا في بيوتهم ومعابدهم، ونحوها من الشروط التي نص عليها الفقهاء قاطبة، وألزمهم بها عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في شروطه المشهورة والمعروفة بين العلماء...
وقد ذكر الإمام ابن تيمية -رحمه الله- في "اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم" بعض هذه الروايات الواردة في الشروط العمرية التي ألزمها عمر -رضي الله عنه- أهل الذمة.
ثم قال معلقاً عليها وشارحاً لها وموضحا أصنافها، ما نصه: (( ...وهذه الشروط أشهر شيء في كتب الفقه والعلم، وهي مجمع عليها في الجملة، بين العلماء من الأئمة المتبوعين، وأصحابهم، وسائر الأئمة، ولولا شهرتها عند الفقهاء لذكرنا ألفاظ كل طائفة فيها...)).
إلى أن قال: (( ...ومن جملة الشروط:
ما يعود بإخفاء منكرات دينهم، وترك إظهارها كمنعهم من إظهار الخمر والناقوس، والنيران والأعياد، ونحو ذلك.
ومنها: ما يعود بإخفاء شعار دينهم كأصواتهم بكتابهم.
فاتفق عمر رضي الله عنه، والمسلمون معه وسائر العلماء بعدهم ومن وفقه الله تعالى من ولاة الأمور على منعهم من أن يظهروا في دار الإسلام شيئا مما يختصون به، مبالغة في أن لا يظهروا في دار الإسلام خصائص المشركين، فكيف إذا عملها المسلمون وأظهروه.
ومن المعلوم: أن تعظيم أعيادهم، ونحوها، بالموافقة، فيها نوع من إكرامهم فإنهم يفرحون بذلك، ويسرون به، كما يغتمون بإهمال أمر دينهم الباطل...))، انتهى المقصود.
وكذلك ذكر الإمام ابن القيم -رحمه الله- في كتابه "أحكام أهل الذمة" بعض هذه الروايات للشروط العمرية ثم قال: (( وشهرة هذه الشروط تغني عن إسنادها، فإن الأئمة تلقوها بالقبول وذكروها في كتبهم واحتجوا بها، ولم يزل ذكر الشروط العمرية على ألسنتهم وفي كتبهم، وقد أنفذها بعده الخلفاء وعملوا بموجبها.
فذكر أبو القاسم الطبري - من حديث أحمد بن يحيى الحلواني - حدثنا عبيد بن جناد: حدثنا عطاء بن مسلم الحلبي، عن صالح المرادي، عن عبد خير قال: رأيت عليا صلى العصر فصف له أهل نجران صفين، فناوله رجل منهم كتابا، فلما رآه دمعت عينه ثم رفع رأسه إليهم قال: "يا أهل نجران، هذا والله خطي بيدي وإملاء رسول الله صلى الله عليه وسلم". فقالوا: يا أمير المؤمنين، أعطنا ما فيه. قال: ودنوت منه، فقلت: إن كان رادا على عمر يوما فاليوم يرد عليه! فقال: " لست براد على عمر شيئا صنعه، إن عمر كان رشيد الأمر، وإن عمر أخذ منكم خيرا مما أعطاكم، ولم يجر عمر ما أخذ منكم إلى نفسه إنما جره لجماعة المسلمين".
وذكر ابن المبارك، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي: أن عليا رضي الله عنه قال لأهل نجران: "إن عمر كان رشيد الأمر، ولن أغير شيئا صنعه عمر".
وقال الشعبي: قال علي حين قدم الكوفة: "ما جئت لأحل عقدة شدها عمر".
وقد تضمن كتاب عمر -رضي الله عنه- هذا جملا من العلم تدور على ستة فصول:
الفصل الأول: في أحكام البيع والكنائس والصوامع وما يتعلق بذلك.
الفصل الثاني: في أحكام ضيافتهم للمارة بهم وما يتعلق بها.
الفصل الثالث: فيما يتعلق بضرر المسلمين والإسلام.
الفصل الرابع: فيما يتعلق بتغيير لباسهم وتمييزهم عن المسلمين في المركب واللباس وغيره.
الفصل الخامس: فيما يتعلق بإظهار المنكر من أفعالهم وأقوالهم مما نهوا عنه.
الفصل السادس: في أمر معاملتهم للمسلمين بالشركة ونحوها. ))، ثم شرع -رحمه الله- في بيان هذه الفصول وما تضمنته من الشروط، وشرحها بالتفصيل.
وقال -رحمه الله- في شرحه للشرط المتعلق بمنع إظهار الصليب ما نصه: (( لما كان الصليب من شعائر الكفر الظاهرة كانوا ممنوعين من إظهاره، قال أحمد في رواية حنبل: " ولا يرفعوا صليبا، ولا يظهروا خنزيرا، ولا يرفعوا نارا، ولا يظهروا خمرا، وعلى الإمام منعهم من ذلك.
وقال عبد الرزاق: حدثنا معمر، عن عمرو بن ميمون بن مهران قال: كتب عمر بن عبد العزيز أن يمنع النصارى في الشام أن يضربوا ناقوسا، ولا يرفعوا صليبهم فوق كنائسهم، فإن قدر على من فعل من ذلك شيئا بعد التقدم إليه فإن سلبه لمن وجده ".
وإظهار الصليب بمنزلة إظهار الأصنام، فإنه معبود النصارى كما أن الأصنام معبود أربابها، ومن أجل هذا يسمون عباد الصليب.
ولا يمكنون من التصليب على أبواب كنائسهم وظواهر حيطانها، ولا يتعرض لهم إذا نقشوا ذلك داخلها. )).
2- وأما حكم إحداث المعابد في أرض الصلح إن اشترط أهلها ذلك، وهل يجوز للإمام أن يصالحهم على ذلك:
فهي على نوعين:
- أحدهما: في قراهم المنعزلة والمنقطعة عن أهل الإسلام وحريمه التي لا يسكنها المسلمون معهم، فهذه يجوز أن يقع الصلح معهم وعقد الشرط على جواز إحداث المعابد في ذلك.
- النوع الثاني: في الأمصار التي سكنها أهل الإسلام وحريمه،
فهل يجوز للإمام أن يصالحهم على إحداث المعابد فيها ؟
فهذا الشرط باطل مردود لا يجوز، ويمنعوا من ذلك بين أظهر المسلمين وحريم الإسلام، لنهى النبي -صلى الله عليه وسلم- أن تجتمع قبلتان ببلد واحد، وأن ترفع بين أظهرنا يهودية أو نصرانية، فلا يجوز للمسلمين أن يمكنوهم من ذلك إلا في القرى التى لا يسكنها المسلمون معهم، فنهي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك أولى بالاتباع والإمتثال، وعمل الخلفاء الراشدين أولى بالانقياد والاقتفاء، ومن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو مردود.
فلا ينبغي للإمام أن يصالحهم إلا على ما يوافق الكتاب والسنة، فإن كل شرط خالف كتاب الله وخالف سنة نبيه -التي هي المُبيِّنة لكتابه- فهو شرط باطل مردود، فلا سبيل لهم إلى إحداثها إلا فى قراهم التي صولحوا عليها التى لا يسكنها المسلمون معهم.
فإن جهل الإمام وصالحهم على ذلك لم يجز الشرط وكان فاسداً، وأُلغي، ويمنعون من إحداثها، فإنه لا عهد في معصية الله، وقضاء الله تعالى أحق، وشرط الله أوثق، المسلمون عند شروطهم ما وافق الحق.
وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : « الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا، أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا، وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إِلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا، أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا ». رواه أبو داود والترمذي واللفظ له، وقال الترمذي: "هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وصححه الألباني.
وفي رواية للدارقطني في "سننه" والحاكم في "المسترك": «الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ مَا وَافَقَ الْحَقَّ».
وفي موطأ مالك والصحيحين "صحيح البخاري ومسلم" وغيرها: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : « مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ ».
وفي رواية للبخاري ومسلم وغيرهما: « مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ؛ فَلَيْسَ لَهُ، وَإِنْ شَرَطَ مِائَةَ مَرَّةٍ، شَرْطُ اللَّهِ أَحَقُّ، وَأَوْثَقُ ».
والكتاب قد دل على حجية السنة ووجوب العمل بها، فمن خالف السنة فقد خالف الكتاب، ومن عمل بالسنة فقد عمل بالكتاب، فهما أصلان متلازمان، فكل شرط خلاف الكتاب والسنة فهو باطل، فيكون في معنى الحديث السابق: « الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إِلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا، أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا ».
قال الإمام أبو المطرف القنازعي القرطبي المالكي -رحمه الله- ( المتوفي: ٤١٣ هـ ) في كتابه "تفسير الموطأ": (( فهذا الحديث يُبين أن كل شرط ليس في كتاب الله -عز وجل-، ولا في سنة رسوله - عليه السلام - اشترطه أحد من الناس أنه لا يُنتفع بشرطه... ))، انتهى المقصود.
وقال الحافظ ابن عبد البر المالكي -رحمه الله- ( المتوفي: ٤٦٣ هـ ) في "الاستذكار": (( وأما قوله: « كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ »، فمعناه: كل شرط ليس في حكم الله وقضائه من كتابه أو سنة نبيه فهو باطل ))، انتهى المقصود.
* الفصل الثاني: نقل كلام أهل العلم من المالكية في حكم إبقاء معابد الشرك وإحداثها:
قال الإمام سحنون -رحمه الله- في "المدونة": (( قلت: أرأيت هل كان مالك يقول: ليس للنصارى أن يحدثوا الكنائس في بلاد الإسلام؟
قال [ابن القاسم]: نعم كان مالك يكره ذلك.
قلت: هل كان مالك يكره أن يتخذوا الكنائس أو يحدثونها في قراهم التي صالحوا عليها؟
قال [ابن القاسم]: سألت مالكا هل لأهل الذمة أن يتخذوا الكنائس في بلاد الإسلام؟ فقال: لا إلا أن يكون لهم شيء أعطوه.
قال ابن القاسم: ولا أرى أن يمنعوا من ذلك في قراهم التي صالحوا عليها؛ لأن البلاد بلادهم يبيعون أرضهم وديارهم ولا يكون للمسلمين منها شيء، إلا أن تكون بلادهم غلبهم عليها المسلمون وافتتحوها عنوة فليس لهم أن يحدثوا فيها شيئا؛ لأن البلاد بلاد المسلمين ليس لهم أن يبيعوها ولا أن يورثوها وهي فيء للمسلمين، فإذا أسلموا لم يكن لهم فيها شيء، فلذلك لا يتركون، وأما ما سكن المسلمون عند افتتاحهم وكانت مدائنهم التي اختطوها مثل الفسطاط والبصرة والكوفة وإفريقية وما أشبه ذلك من مدائن الشام فليس ذلك لهم إلا أن يكون لهم شيء أعطوه فيوفي لهم به لأن سكك المدائن قد صارت لأهل الإسلام مالا لهم يبيعون ويورثون وليس لأهل الصلح فيها حق، فقد صارت مدائن أهل الإسلام أموالا لهم.
قال: وقال مالك: أرى أن يمنعوا من أن يتخذوا في بلاد الإسلام كنيسة إلا أن يكون لهم عهد فيحملون على عهدهم.
وقال غيره: كل بلاد افتتحت عنوة وأقروا فيها وقفت الأرض لأعطيات المسلمين ونوائبهم فلا يمنعون من كنائسهم التي في قراهم التي أقروا فيها ولا من أن يتخذوا فيها كنائس؛ لأنهم أقروا فيها على ذمتهم وعلى ما يجوز لأهل الذمة فعله، ولا يكون عليهم خراج قراهم التي أقروا فيها وإنما الخراج على الأرض. )).
قال الإمام أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني المالكي الملقب "مالك الصغير" -رحمه الله- ( المتوفى: ٣٨٦ هجرية ) في كتابه "النوادر والزيادات" ما نصه:
(( ذكر ما ينهى عنه من احداثهم الكنائس واظهارهم الصليب والخمر والخنازير:
من كتاب ابن حبيب: روى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: « لا ترفع فيكم يهودية ولا نصرانية »، يعنى: البيع والكنائس.
قال ابن الماجشون: ولا تحدث كنيسة فى بلد الإسلام.
واما إن كانوا أهل ذمة منقطعين عن بلد الإسلام، ليس بينهم مسلمون، فذلك لهم، ولهم ادخال الخمر وكسب الخنازير.
واما بين المسلمين فيمنعون من رمِّ كنائسهم القديمة إذا رثت، إلا أن يكون ذلك شرطاً فى عهدهم فيوفى لهم، ويمنعون من الزيادة الظاهرة والباطنة.
وإن صولحوا على أن يحدثوا الكنائس إن شاءوا، قال ابن الماجشون: فلا يجوز هذا الشرط ويمنعون منه، لأنه ما قال النبى صلى الله عليه وسلم إلا فى بلدهم التى لا يسكنها المسلمون معهم فلهم ذلك وإن لم يشترطوه.
قال ابن الماجشون: وهذا فى أهل الصلح.
فإما فى أهل العنوة، فلا يترك لهم عند ضرب الجزية عليهم كنيسة إلا هدمت، ثم لا يحدثوا كنيسة، وان كانوا معتزلين عن بلد الإسلام.
ويمنع أهل الذمة الذين يسكنون مع المسلمين من إظهار الخمر وحملها إليهم من قرية إلى قرية، وتكسر عليهم إن ظهرنا عليها وان قالوا لا نبيعها من مسلم، وكذلك لا يدخلون الخنازير إليهم، ويضرب من فعل ذلك منهم، ومن أخذ سكران منهم أدب.
وكذلك لا يظهرون صلبهم فى أعيادهم واستسقائهم، وتكسر إن فعلوا ويأدبوا. وقال مثله مطرف وأصبغ وغيره. وكتب به عمر رضى الله عنه. )).
قال الإمام ابن يونس المالكي -رحمه الله- (المتوفى: ٤٥١ هـ) في "الجامع لمسائل المدونة" بعد ذكر كلام مالك وابن القاسم -رحمة عليهما- وغيرهما السابق ذكره: (( وقال ابن الماجشون: "ولا تبنى كنيسة في دار الإسلام، ويمنعون من رمَّ كنائسهم القديمة التي صولحوا عليه إذا رَثَّت، وعلى الإمام العدل هدم ذلك إلا أن يكون ذلك شرطًا في عهدهم فيوفي لهم به، ويمنعون من الزيادة فيها كانت الزيادة ظاهرة أو باطنة. قال: وإن شرطوا في صلحهم أن لا يمنعوا من إحداث الكنائس فلا ينبغي للإمام أن يصالحهم إلا على ما يوافق الكتاب والسنة، فإن جهل وصالحهم على ذلك لم يجز الشرط، ويمنعون من إحداثها. وإنما يوفي لهم بما اشترطوا من الرمَّ فقط. قال: وأما أهل العنوة فلا تترك لهم عند ضرب الجزية عليهم كنيسة قائمة إلا هدمت ثم لا يحدثوا كنيسة، وإن كانوا معتزلين عن بلد الإسلام". ))
وقال الحافظ ابن عبد البر المالكي -رحمه الله- ( المتوفي: ٤٦٣ هـ ) في "الكافي في فقه أهل المدينة": (( باب السيرة في أهل الذمة:
إذا أدى أهل الجزية جزيتهم التي ضربت عليهم أو صولحوا عليها خلى بينهم وبين أموالهم كلها، وبين كرومهم وعصيرها ما ستروا خمرهم ولم يعلنوا بيعها من مسلم، ومنعوا من إظهار الخمر والخنزير في أسواق المسلمين، ولم يمنعوا من ذلك إذا ستروه عنا في بيوتهم، ولم يعرض لهم في أحكامهم ولا تجارتهم فيما بينهم بالربا، وإن تحاكموا فالحكم مخير، إن شاء حكم بينهم بما أنزل الله، وإن شاء أعرض عنهم.
وعلى الإمام أن يقاتل عنهم عدوهم ويستعين بهم في قتالهم، ولا حظ لهم في الفيء، وما صلحوا عليه في الكنائس لم يزيدوا عليها، ولم يمنعوا من صلاح ما وهن منها، ولا سبيل لهم إلى أحداث غيرها، ويؤخذون من اللباس والهيئة بما يبينون به من المسلمين، ويمنعون من التشبه بأهل الإسلام وإن تظالموا بينهم زجرهم الحاكم وقمعهم، وأخذ لضعيفهم من قويهم، ولمظلومهم من ظالمهم، ولا يدعهم يظلم بعضهم بعضا، فهو ما يجب عليه من الوفاء لهم بعهدهم، ولا بأس باشتراء أولاد العدو منهم إذا لم تكن لهم ذمة، ولا يجوز ذلك في اهل الذمة. ))، وكذلك ذكر الإمام القرطبي المالكي -رحمه الله- في "تفسيره" كلاماً مثله.قال الإِمام أبو الإصبع عيسى الجياني -رحمه الله- ( المتوفى: ٤٨٦ هـ ) في "ديوان الأَحْكَام الكُبْرَى"-"الإِعْلَام بنوازل الأَحْكَام وقطر من سير الحُكَّام": (( في منع أهل الذمة إحداث الكنائس:
فهمنا – وفقك الله تعالى – الشهادات الواقعة في أن الشنوغة محدثة، فرأينا شهادات توجب هدمها بعد الإعذار إلى أهلها، وليس في شرائع الإسلام إحداث أهل الذمة من اليهود والنصارى كنائس لا شنوغات في مدائن المسلمين، وبين ظهرانيهم. قال بذلك عبيد الله بن يحيى ومحمد بن لبابة وابن غالب وابن وليد وسعد بن معاذ ويحيى بن عبد العزيز وأيوب بن سليمان وسعيد بن خمير.
قال القاضي:
ذلك ابن حبيب في ثالث جهاد الواضحة عن ابن الماجشون عن مالك أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: « لا يرفعن فيكم يهودية ولا نصرانية » قال ابن الماجشون: لا تبنى كنيسة في دار الإسلام ولا في حريمه، ولا في عمله، إلا إن كانوا أهل ذمة منقطعين عن دار الإسلام وحريمه، ليس بينهم مسلمون فلا يمنعون من بنيانها بينهم، ولا من إدخال الخمر إليهم ولا من كسب الخنازير.
وإن كانوا بين أظهر المسلمين منعوا من ذلك كله ومن رم كنائسهم القديمة التي صالحوا عليها إذا رثت، إلا إن شرطوا ذلك في صلحهم فيوفى لهم ويمنعون من الزيادة فيها؛ كانت الزيادة ظاهرة أو باطنة، وإن شرطوا ألا يمنعوا من إحداث الكنائس وصالحهم الإمام على ذلك عن جهل منه، فنهي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك أولى بالاتباع والانقياد.
ويمعنون من ذلك في حريم الإسلام وفي قراهم التي سكنها المسلمون معهم، ولا عهد في معصية الله إلا في رم كنائسهم إن اشترطوا ذلك لا غير، فيوفى لهم به.
قال ابن الماجشون: هذا كله في أهل الصلح من أهل الجزية، وأما أهل العنوة لا يترك لهم عند ضرب الجزية عليهم كنيسة إلا هدمت، ولا يتركون أن يحدثوها وإن كانوا معتزلين عن جماعة المسلمين؛ لأنهم كعبيد المسلمين، وليس لهم عهد يوفي لهم به، وإنما صار لهم عهد حرمت به دماؤهم حين أخذت منهم الجزية.
وفي كتاب الجعل من المدونة قال ابن القاسم: عن مالك: لا تتخذ النصارى الكنائس في بلاد الإسلام إلا أن يكون هلم أمر أعطوه، قال ابن القاسم: لا يمنعوا من ذلك في قراهم التي صولحوا عليها لأنها بلادهم يبيعون إن شاءوا أرضهم ودورهم، إلا أن تكون بلاد عنوة فليس لهم أن يحدثوا فيها شيئًا؛ لأنهم ليس لهم أن يبيعوها ولا يورثوها، وهي فيء للمسلمين وإن أسلموا انتزعت منهم.
وقال غيره: لا يمنعوا من كنائسهم التي في قراهم التي أقروا فيها بعد افتتاحها عنوة، ولا من أن يتخذوا فيها كنائس؛ لأنهم أقروا فيها على ذمتهم، وعلى ما يجوز لهم فعله وليس عليهم فيها خراج إنما الخراج على الأرض. )).
قال الإمام أبو بكر الطرطوشي -رحمه الله- في "سراج الملوك": (( وأما الكنائس فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر بهدم كل كنيسة لم تكن قبل الإسلام، ومنع أن تحدث كنيسة وأمر أن لا يظهر علية خارجة من كنيسة ولا يظهر صليب خارج من كنية إلا كسر على رأس صاحبه، وكان عروة بن محمد يهدمها بصنعاء، وهذا مذهب علماء المسلمين أجمعين، وشدد في ذلك عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه فأمر أن لا يترك في دار الإسلام بيعة ولا كنيسة بحال قديمة ولا حديثة، وهكذا قال الحسن البصري قال: من السنة أن تهدم الكنائس التي في الأمصار القديمة والحديثة، ويمنع أهل الذمة من بناء ما خرب، وقال الأصطخري: إن طينوا ظاهر الحائط منعوا، وإن طينوا باطنه الذي يليهم لم يمنعوا، ويمنعون أن يعلوا على المسلمين في البناء، وتجوز المساواة وقيل لا تجوز. )).
قال أبو الوليد ابن رشد "الجد" القرطبي المالكي -رحمه الله- ( المتوفى: ٥٢٠ هـ ) في "البيان والتحصيل": (( وسئل مالك عن الكنائس التي في الفسطاط المحدثة في خطط الإسلام، إن أعطوهم العراض، وأكروها منهم يبنون فيها الكنائس، قال مالك: أرى أن تغير وتهدم، ولا يتركوا ذلك، ولا خير فيه.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة وغيرها، وهو مما لا اختلاف فيه أعلمه، والأصل في ذلك ما روي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا ترفعن فيكم يهودية ولا نصرانية» يعني: البيع والكنائس، وإنما يكون لأهل الصلح أن يحدثوا الكنائس في قراهم التي صالحوا عليها، وأن يرموا كنائسهم القديمة، إذا كانوا منقطعين عن دار الإسلام وحريمه، ولم يسكن المسلمون معهم في موضعهم، وإن لم يشترطوه. قال ذلك ابن حبيب في الواضحة، وحكاه عن مطرف، وابن الماجشون، وما إذا كانت قراهم في بلاد الإسلام، فليس ذلك لهم، إلا أن يكون لهم أمر أعطوه، قاله مالك في المدونة، واختلف في أهل العنوة، فقال ابن القاسم: ليس ذلك لهم، وقال غيره: ذلك لهم، والقولان في الجعل والإجارة من المدونة، وبالله التوفيق. )).
وقال الإمام جَلال الدّين عبد الله بن شَاس المالكي -رحمه الله- ( المتوفي: ٦١٦ هـ ) في "عِقد الجَوَاهِر الثمينة في مذهب عالم المَدِينَة": (( فإن كانوا في بلدة بناها المسلمون، فلا يمكَّنون من بناء كنيسة.
وكذلك لو ملكنا رقبة بلدة من بلادهم قهراً، وليس للإمام أن يقر فيها كنيسة، بل يجب نقض كنائسهم بها.
أمّا إذا فتحت بالصلح على أن يسكنوها بخراج، ورقبة الأبنية للمسلمين، وشرطوا إبقاء كنيسة: جاز.
وأمّا إن افتتحت على أن تكون رقبة البلد لهم، وعليهم خراج، ولا تنقض كنائسهم، فذلك لهم، ثم يمنعون من رمها. قال ابن الماجشون: "ويمنعون من رم كنائسهم القديمة إذا رثت، إلا أن يكون ذلك شرطا في عهدهم، فيوفى لهم. ويمنعون من الزيادة الظاهرة والباطنة". ونقل الشيخ أبو عمر: " أنهم لا يمنعون من إصلاح ما وهى منها ".
وإذا منعوا من إحداث كنيسة فيما بين المسلمين لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا ترفع فيكم يهودية ولا نصراينة»، فلو صولحوا على أن يتخذوا الكنائس إن شاءوا، فقال ابن الماجشون: "لا يجوز هذا الشرط، ويمنعون منه، إلا في بلدهم الذي لا يسكنه المسلمون معهم، فلهم ذلك، وإن لم يشرطوه"، قال: "وهذا في الصلح. فأمّا أهل العنوة: فلا يترك لهم عند ضرب الجزية عليهم كنيسة إلا هدمت، ثم لا يمكنون من إحداث كنيسة بعد، وإن كانوا معنزلين عن بلاد الإسلام".
ولا يمنع أهل الصلح من إظهار الخمر والناقوس وغير ذلك داخل كنائسهم.
وليس لهم إظهار شيء من ذلك خارجها، ولا لهم حمل الخمر من قرية إلى قريتهم التي يسكنونها مع المسلمين، ونكسرها إن ظهرنا عليها، وإن قالوا: لا نبيعها من مسلم.
وإن أظهروا ناقوسا كسرناه.
ومن وجدناه منهم سكرانا أدبناه.
وإن أظهروا صلبهم في أعيادهم واستقائهم كسرت عليهم وأُدِّبوا.
ولا يرفعوا أصوات نواقيسهم، بل يضربون لها ضرباً خفيفاً، ولا يرفعوا أصواتهم بالقراءة في كنائسهم في شيء من حضرة المسلمين. )).
قال الإمام شهاب الدين القرافي -رحمه الله- ( المتوفي: ٦٨٤ هـ ) في "الذخيرة": (( لا يمكنون من بنائها في بلد بناها المسلمون، أو ملكوها عنوة، ويجب نقض كنائسها.
فإن فتحت صلحا على أن يسكنوها بالخراج ورقاب الأبنية للمسلمين وشرطوا إبقاء كنيسة جاز، وإن شرطوا الدار لهم وعليهم خراج ولا تنقض الكنائس فذلك لهم، ثم يمنعون من رمها خلافا ل ش [ أي: للشافعي ]، قال عبد الملك: إلا أن يكون ذلك شرطا، والمدرك أنها من المنكرات، والعين التي تناولها العقد قد انهدمت، والعود لم يتناوله العقد، فهو منكر تجب إزالته، ويمنعون من الزيادة الظاهرة والباطنة، وقيل: لهم الترميم، لأنه من جملة أغراضهم الملزمة كعصير الخمر.
وإن اشترط أهل الصلح إحداث كنيسة، قال عبد الملك: هذا الشرط باطل إلا في بلدهم الذي لا يسكنه المسلمون معهم، فهو لهم وإن لم يشترطوه، وأما أهل العنوة فلا يمكنون من ذلك، وإن كانوا معتزلين عن بلادنا، لأن قهرنا لهم أزال ذلك والتمكن منه فلا نعيده.
ولا يمنع أهل الصلح من إظهار الخمر والناقوس ونحوه داخل كنائسهم، ويمنعون خارجها، ومن حمل الخمر من قرية إلى قريتهم التي يسكنونها مع المسلمين منع، وتكسر الخمر إن ظهرنا عليها وإن قالوا لا نبيعها من مسلم، وإن أظهروا ناقوسا كسرناه، وإن وجدنا سكرانا أدبناه، وإن أظهروا صلبهم في عيد أو استسقاء كسرناها وأدبناهم، ويخفون أصوات نواقيسهم وقراءتهم في كنائسهم )).
قال الإمام شهاب الدين عبد الرحمن المالكي البغدادي -رحمه الله- في ( المتوفي: ٧٣٢ هـ ) في "إرشاد السالك إلى أشرف المسالك": (( وتنقص كنائس بلاد العنوة لا الصلح، لكن يمنع رم دائرها، ويعلمون بما يميزهم عن المسلمين، ومن أظهر صليبا أو خمرا أدب وكسر وأريقت، ويمنعون ضرب الناقوس، ورفع أصواتهم بالقراءة، وشراء الرقيق، وركوب نفائس الدواب وجادة الطريق، ولا يكنون، ولا تشيع جنائزهم ولا يستعان بهم. )).
والله سبحانه أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين.
#مذهب_المالكية_في_حكم_إبقاء_الكنائس_وبنائها
#أين_الحفاظ_على_المرجعية_المالكية_الحقيقية
#صفات_العالم_المالكي_الحقيقي_لا_المُزيف
#ليس_كل_من_انتسب_للمذهب_المالكي_فهو_مالكي
#الفرقان_بين_المالكي_الحقيقي_والمالكي_المُزيف
#كن_كالإمام_مالك_متبعا_للحق_ولا_تكن_متعصبا_للباطل
#كن_مالكيا_ولا_تكن_مبتدعا
#كن_مالكيا_ولا_تكن_شياتا
#كن_محسنا_ولا_تكن_منسلخا
#الإمام_مالك_عالم_المدينة_إمام_دار_الهجرة_والسنة
#الحق_فوق_كل_أحد_والوطن_قبل_كل_شيء_ابن_باديس
#شعب_الجزائر_مسلم_وإلى_العروبة_ينتسب_ابن_باديس
#الإسلام_ديننا_العربية_لغتنا_الجزائر_وطننا
#الجزائر_بلد_مسلم
#الحفاظ_على_هوية_الأمة_ومقوماتها_ومميزاتها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق