قائمة الصفحات

الأحد، 3 فبراير 2019

قصة قصيرة (الحلقة 8) لا أريد زوجة محجبة... ...لا أريد زوجة متبرجة! د: يزيد حمزاوي


قصة قصيرة (الحلقة 8)
لا أريد زوجة محجبة...
...لا أريد زوجة متبرجة!
د: يزيد حمزاوي

...حمدت عائشة الله على طلاقها وسجدت شكرا...وبعد انقضاء عدتها التحقت ببيت أهلها...وما فتئ أن سمع الناس بانفصالها حتى اصطفوا عند والدها، يطلبون بل يتوسلون أن يحظوا بهذه الولية الصالحة، التي ابتلاها ربها فصبرت، وصبَّ عليها من المحن فشكرت... هي نوع من النساء لا يُعرفن إلا في الأسفار العتيقة الغابرة، وسير السلف من العصور الزاهرة...فلم يعد لهذا الطراز الفريد من مكان في هذا الزمان إلا فيما شذَّ وندَرْ... إذ غاصت الأمة إلى أذنيها في الملذات، وأخلدت الأكثرية إلى الدنيا... إنه زمن النُدرة في الرجال والنساء...حيث يشقى ويتعب وينفق أحدهم بحثا عن شريك حياة ليهنأ به...فلا يظفر آخر المطاف إلا بالنطيحة والمتردية وما أكل السبُع من الجانبين، على تفاوت في العيوب والنفاق الاجتماعي وإخفاء الحقيقة عن الآخر...
...كانت عائشة في بيتها تكثر من الدعاء حتى يعوضها الله من سعادة الدنيا والآخرة...ذات مرة وهي تفكر في الأشخاص الذين خطبوها، وتزن كل واحد منهم بميزان الشرع، وتقارن مواصفاتهم وايجابياتهم...، تذكرت أن أم أيمن صاحبتها، حدثتها عن الشيخ عبد العزيز إمام مسجدها سابقا، ومستشار المجمع الفقهي الإسلامي حاليا...هذا هو النوع من الأزواج الذي تحلم به وتتمناه... دين وخلق والتزام وعلم ومروءة ودعوة إلى الله...
أرسلت إلى أم أيمن تستشيرها...فأخبرتها هذه الأخيرة أن الشيخ عبد العزيز كلّم أبا أيمن في شأنها... ويرغب في أن يتقدم لها...ابتهجت لهذا الخبر السار بل طارت فرحة...يا لسعادتها! بولي صالح يشبهها في كل الصفات ويتوافقان في الروح والفكر والالتزام.
مرّت بضع أيام فحضر الشيخ عبد العزيز، مصطحبا والدته للرؤية الشرعية...دخل غرفة الاستقبال، وهو خجل لا يكاد يرفع رأسه من الأرض...ثم جاءت هي على استحياء وسلمت، متلعثمة مسمعة نفسها فحسب، وهي تحمل آنية... وكانت أشد خجلا منه، فما نظر إليها ولا نظرت إليه، بل أوشكت من الحرج الشديد على التعثر وكب القهوة على خطيبها المسكين... ثم قعدت نصف جلسة إلى جنب أمها... وبينما كانت والدتها ووالدة الشيخ عبد العزيز يتحدثان...كان الخطيبان ينظران إلى بعضهما بقلبيهما... وأبصارهما مطرقة تجول على نقوش بساط الغرفة، ولا تجرؤ على الانفكاك منه والدنو قليلا إلى أعلى لاستراق شيء ما، من تلك اللحظات التاريخية لكل زوجين تقليديين، لم يسبق أن تعارفا من قبل في الفضاء الواقعي ولا الافتراضي كسنة اليوم أو قُل بدعتها.
كتب الله لهما الارتباط وقدّر بينهما اللقاء... وها هي في الشهر الثالث من الحمل، وتنتظر الإنجاب الذي حُرمت منه مع طليقها.
أما محمد فبعد انفصاله لقي ضالته، وانغمس أكثر فأكثر في مجتمعه المخملي... وانتهت مغامراته بزواج ثان من نوال...إحدى المناضلات في جمعيات المرأة، ومحامية شهيرة...تملك المواصفات التي ينشدها: ثقافة مخملية..."أخلاق المجتمع الراقي"...أناقة ظاهرة... جمال خارجي... فهي من النوع الذي يدير رؤوس كثير من الرجال عندما تمر بجانبهم...
اندمجت نوال في جماعته في بضعة أيام...عرّفها على أصدقائه...قاسم بالتحديد...وكان محمد في غاية الغبطة عند مصاحبتها في الشوارع الكبرى، وهي في أحلى زينتها وأجلى تبرجها...وهو يضع ذراعها تحت ذراعه...رافعا هامته إلى الجوزاء في كبد السماء...كم كان معجبا بمناقشاتها مع الجميع!، بالحقيقة كانت "مثقفة" ومتعلمة ومندفعة في الذود عن آرائها...كان محمد شغوفا بالإنصات إلى تحليلاتها للأحداث السياسية ومواقفها من الموضوعات الاجتماعية، ومسرورا بلمزها وحطها من فكر الدينيين، وانتقادها اللاذع لبنية العقل الذكوري المتحكم في شؤون المرأة كلها بزعمه وزعمها.
يا لها من سعادة حققها بعد طول معاناة مع عائشة!...فنوال هي قطبها المعاكس... وجد سبيلا لتطبيق نظرياته في علم النفس والاجتماع، والانتصار للفكر الحداثي والليبرالي...وكانت نوال تصحبه في مؤتمراته ومحاضراته، التي يلقيها لينشر الوعي والتحرير، ويدافع عن أطروحات التنوير...يدعو إلى تبني أساليب التحضر، ويشد بعنف على أنصار التقهقر...
لم تكن نوال تتورع عن مصافحة الرجال واستقبالهم، وتقديم الشراب والطعام لهم...ومع أن محمدا في أصله ومعدنه مشرقي الطبع ومسلم التفكير، إلا أن تطبعه أفسد عليه طبعه...هل كان ما تعلمه في فرنسا هو ما قتل فيه الغيرة والحمية على عرضه؟ كان يحاول في قرارة نفسه أن يقنع ذاته عندما يشاهد زوجته نوال على ذلك الحال... وماذا هناك!؟ وأين المشكل!؟ هل مجرد المصافحة والتقبيل على الوجنتين أحيانا، والاختلاط بالزملاء الأبرياء عيانا، يجعل منها عاهرة أو زانية!؟.. لذا كان مرتاح البال، خالي الهم من هذه الناحية.
أما نوال فقد ولُدت وترعرعت في أسرة منفتحة، فلم تُعكر صفو تصرفها وسلوكها تلك الحسابات المشرقية، واعتبارات الشرف والعرض والنخوة...كانت بعد تقديم واجب الضيافة تجلس على الأريكة أمام الجميع واضعة ساقا على ساق... وقاسم صديق العائلة الوفي المخلص.. يتتبعها بنظرات تكاد تخرق زجاج النظَّارات...(يتبع)
توقيع: د يزيد حمزاوي

www.facebook.com/yazid.hamzaoui.5/posts/1024968254353427

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق