ابن العربي المالكي عقل من العقول الإسلامية التي كان لها أثر في صناعة التفكير الإسلامي ورسم مساراته، لم يكن معصوما ولكنه رحمه الله إن أصاب فباجتهاد وإن أخطأ فباجتهاد منه في إصابة الحق وهو في كل بين الأجرين والأجر، لأنه سلك الطريق الذي أمر به الشرع الحكيم؛ وهو رجل أحببناه من خلال قراءة سيرته ومن خلال كتبه التي تجعل المرء معظما للكتاب والسنة، دون إخلال بمراتب العلماء والاعتراف بفضلهم في تجلية معاني الوحيين، ولقد كان لقراءة كتبه ولا سيما أحكام القرآن والعواصم من القواصم أثر كبير في بعث العقل الإسلامي المعاصر ونهضته بعد سباته، لذلك وجد تراثه اهتماما منقطع النظير لدى الباحثين في المشرق والمغرب، وجعل اسمه يطفوا في ساحة البحث العلمي؛ فلا يذكر الاجتهاد إلا ضرب به المثل ولا يذكر التحقيق إلا كان له منه نصيب، وإني لأحمد الله تعالى أن وفقني الله تعالى أن أدرّس كتابا من كتبه في علم أصول الفقه أو علم التفكير الإسلامي، وإني لسعيد أني أقرأ كتابا يكثر فيه الترحم على العلماء كلّما ذُكروا، وأني أكرّر هذه العبارة في كلّ مرّة قال المصنف رحمه الله.. وإنّ ذلك من النصيحة التي هي من حق العلماء، كما أنه من ألوان الشكر لهم بما لهم علينا من الفضل في العلم ومنهاج تحصيله.. وبينما نحن في غمرة السعادة بقراءة عبارات كتابه وتحليله؛ إذ تعترضنا كلمات شديدة صدرت منه رحمه الله في حق بعض الأعلام؛ في معرض النقاش العلمي الفقهي؛ مما يستوجب على القارئ أن يقف مع تلك العبارات وقفة المنبه على خطئها؛ وضرورة اجتناب أمثالها، مع الاجتهاد في التماس الأعذار للإمام ابن العربي الذي لم يدع لنفسه العصمة في قول أو فعل، ولم تدعى له؛ فابن العربي رحمه الله عاش حياة حافلة بأنواع من الابتلاءات والمحن، أحيانا من جهة السلاطين وأحيانا من جهة العامة والسفهاء، وأحيانا أخرى من جهة الفقهاء الجامدين المخالفين له في المنهج أو الحاسدين الذين لم يبغلوا مبلغه من العلم، ولعل هذا الأخير الذي دام واتصل وكان له أكبر الأثر في نفسية ابن العربي واشتداد لهجته في مناقشة الآراء أحيانا، وإن ابن العربي قد سطّر لنا شكوى في آخر كتابه العواصم تجعلنا نفهم جانبا من الواقع الذي عاشه؛ وهي شكوى تتفق في المعنى مع ما سطّره ابن حزم قبله- وهو الذي لا تخفى حدته وشدته على المخالفين في نقاشاته الفقهية والعقدية-؛ فلا نتحدث عن ظروف هروبه إلى المشرق، ولا عن إحراق بيته بسبب إقامته لسلطان الحق في منصب القضاء، ولكن أنقل للقارئ عن شعوره بعد أن عاد من المشرق عالما متفننا وعن نظرة غيره إليه، قال رحمه الله متحدثا عن فقهاء عصره :"فصار التقليد دينهم، والاقتداء يقينهم، فكلما جاء أحد من المشرق بعلم، دفعوا في صدره، وحقّروا من أمره، إلا أن يستتر عندهم بالمالكية، ويجعل ما عنده من علوم على رسم التبعية"، وقال بعدها :" فإن ظهر عندهم من له معرفة، أو جاءهم بفائدة في الدين، وطريقة من سلف الصالحين، وسرد لهم البراهين، غمزوا جانبه، وقبحوا عجائبه، وعيبوا حقه استكبارا، وعتوا، وجحدوا علمه، وقد استيقنته أنفسهم ظلما وعلوا، وسعوا في إخمال ذكره، وتحقير قدره، وافتعلوا عليه، وردّوا كل عظيمة إليه". وأردفها بالعاصمة فقال :"هذا الذي قدمنا ذكره من فساد الزمان، وتغير الأحوال، قد أنذر به المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، قبل وقوعه كما قدمنا وأخبر بأن الإسلام بدأ غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، وأن المنكر يصير معروفا، والمعروف منكرا. ومع هذا فإنه قال: "لا تزال طائفة من أمتي منصورين على الحق، لا يضرهم من خالفهم" وتدعي كل طائفة ذلك، زُين لها عملها، وجاءها كتابها وأجلها، وعلى المرء أن يجتهد في إبراز الدليل، وإظهار الحق، والهدى هدى الله، يهبه لمن يشاء".. وكان آخر نص ورد في كتابه العواصم من القواصم :"فقال (أي الوزير) لبقي بن مخلد: يا فقيه أين هذه الهيبة والجلال من التي رأيت بتلك البلاد (يعني المشرق)؟ فقال له بقي جهرا: أنتم تزيدون عليهم بثلاثة أشياء، فاستشرف الوزير إلى سماع كلامه، مستبشرا بما صرح به من الزيادة لهذه الحال على تلك، فقال له: وما هذه الأشياء الثلاثة التي ذكرت: زدنا عليهم؟ قال:" الجهل، والفقر، وقلّة العقل". فخجل الوزير، وأبهت الكل، واحتملها ما كان بينه وبينه، ولأن الأصل فهو الحق، أن الله وقاه، وكذلك وجدت الحال أنا هناك، وهاهنا بعد مائتين وثمانين عاما على تلك النسبة، وكذلك يكون إلى يوم القيامة. والله أعلم". رحم الله بقي بن مخلد ورحم الله ابن العربي واستغفر الله العظيم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق