قصة قصيرة (الحلقة 7)
لا أريد زوجة محجبة...
...لا أريد زوجة متبرجة!
د: يزيد حمزاوي
لا أريد زوجة محجبة...
...لا أريد زوجة متبرجة!
د: يزيد حمزاوي
...جاء اليوم الكبير...الأربعاء الذي انتظره محمد كثيرا، واستبشرت عائشة به بدورها..لم تغادر المطبخ طيلة اليوم ...فهي لا تحب شراء الكعك الجاهز، وإنما تحضره بنفسها، وتتقن صنعه أيما إتقان...شرقيه وغربيه...دخل محمد المطبخ وجلس إلى كرسي بقربها وهو يستفسر: هل كل شيء جاهز؟
عائشة: ليس بعد، إن شاء الله سيفرح ضيوفك بهذه الأصناف المتنوعة واللذيذة.
محمد: ستكون ألذ وأطيب لما تقدمينها بنفسك لهم.
عائشة: طبعا من سيقدمها غيري!
محمد: كنت خائفا من هذا اليوم، ولقد قرت عيني بايجابيتك غير المعهودة.
عائشة: أنت تعلم أنني أطيعك في طاعة الله، وأحرص على إرضائك دون أن أغضب ربي...
سكتت هنيهة ثم أردفت: هل تتذكر الكعكة الأولى التي حضرتها لك بمناسبة زواجنا؟
محمد: نعم أتذكرها ولن أنساها ما حييت.
عائشة: ذهب ذلك الزمن الجميل... تلك الشهور الأولى من ارتباطنا هي التي منحتني القوة للبقاء معك...تزوجتك عن قناعة وحب...لم أفكر يوما بفراقك...ومع كل تلك الأفكار الخطيرة التي جئت بها من فرنسا، لم أشأ أن أنفصل عنك..كان عندي أمل أنك ستتغير..ستترك تلك الانحرافات..لا أتوقف عن الدعاء لك بالهداية والصلاح في كل سجدة وحين...كما أنني لم أرغب في أن أستسلم وأُعين عليك الشيطان، وأتركك للكفار ليأخذوك من معسكرنا إلى معسكرهم فنخسرك، وتخسر نفسك.
محمد: ههههه...حولت، إذن، حياتك إلى معسكرات متناحرة وحروب طاحنة!؟
عائشة: نعم! الحياة مقاومة...وديننا يستحق كل تضحية...أنت أصبحت بعد زواجنا كل شيء بالنسبة لي...فكيف أترك واجبي في دعوتك ونصحك وإرشادك، والأخذ بيدك إلى سعادة الدنيا والآخرة؟، فهذا هو دور كل زوجة مع زوجها...ولو أن كل من خالف دين الله لجهل أو غفلة أو شبهة هجرناه وحاربناه لن يبقى أحد معنا...الحمد لله أشعر أنني أديت واجبي تجاهك وبرأت ذمتي معك... وسأترك الهداية لله فهو صاحبها.
بينما هما يتبادلان أطراف الحديث دقّ جرس الباب...وبدأ الضيوف بالوفود...
كانت عائشة أعدت مجلسين لضيوفها، واحدا للرجال وآخر للنساء...وانشغلت هي بالتفاصيل النهائية...ثم انسلت من مطبخها إلى غرفتها فلبست ثوبا جميلا، وتزينت لضيفاتها ظنا منها أنها ستنفرد بهن دون الرجال، ثم خرجت من مخدعها متوجهة إلى الغرفة التي خصصتها للجنس اللطيف، لكنها وجدتها خاوية على عروشها...ثم ما لبثت أن سمعت كلاما وضحكات وقهقهات متعالية لرجال ونساء، جالسين في غرفة الاستقبال الكبيرة المعدة فقط للذكور...لقد اكتشفت أن محمدا حشر جميع المدعوين والمدعوات في مكان واحد...
مسكينة عائشة.. لقد ظنت أن زوجها سيمنحها الفرصة لتقترب من زوجات أصدقائه...لكن الأمر تجاوز ذلك، لقد جلبوا معهم صديقات...ثم تكدسوا في "الصالون" وانطلقوا في الثرثرة واللغو البريء وغير البريء...لقد أيقنت أن زوجها وضيوفه ينتمون إلى المجتمع المخملي، الذي ينبذ الثوابت ولا يؤمن بها، ومنها تحريم الاختلاط الماجن بين الجنسين في الحفلات والأعراس وكل المناسبات...
كان قاسم صديق محمد على رأس المدعوين... ومنذ جلس على الأريكة، وهو يراقب الردهة والباب متلهفا لرؤية عائشة لأول مرة دون نقابها...وكذلك كان الآخرون الذين يرغبون في التعرف عليها، ورؤية زوجة صديقهم وبطلهم المغوار المناصر لحرية المرأة وحقوقها!
لكن عائشة خيبت الجميع، وأبت الدخول عليهم، وفاجأتهم بغيابها... ولج محمد إلى المطبخ، وأمرها أن تخرج لتقديم واجب إكرام الضيوف، لكنها رفضت بكلمة صارمة مشددة على حروفها: لن أخررررررج.
وهو بصوت خافت... حتى لا يسمعه الحاضرون ردّ عليها: لا تحرجيني أرجوك... قدمي الحلوى والشراب والشاي، ثم انصرفي إلى غرفتك.
عائشة: لن أدخل على الرجال.
محمد: هذه المرة فقط...هم ينتظرون، ولقد أطلْنا عليهم.. ويتسآلون عما يحدث هنا.
وانتقل إلى "الصالون" ثم عاد...ثم انتقل وعاد...يذهب ويجيء...وهو يحاول كل مرة إقناعها لكن بلا جدوى.. وجوقة المدعوين يراقبون الموقف بل يتمنون لو ينجح محمد في معركته التحريرية تلك....دخل آخر مرة، فتناولت عائشة الكعكة الكبيرة وطلبت منه حملها لضيوفه... وأخبرته أنها ستلحق بغرفتها وتغلق بابها... كاد أن يجن....لم يصدق ما يسمع...أراد حينها أن يستخدم الشدة فسحبها من ذراعها، فسقطت الكعكة على الأرض، وأحدثت الصينية والملاعق دويا مفزعا تردد صوتها في كل جنبات المنزل...صاح وصرخ في وجهها، ثم تذكر ضيوفه فصمت...أما أولئك فلما سمعوا أن بالمطبخ مشكلة مستعصية وجلبة فهموا الموقف المتأزم فنهضوا وانصرفوا...
تبعهم محمد إلى الشارع ليعتذر لهم ويودعهم...ثم أسرع إلى ساحة معركة الحق والباطل وميدان حرب الخير والشر... فوجد عائشة منحنية على ركبتيها، تلملم الكعكة التي تعبت من كل قلبها في تحضيرها...فرفسها بعنف بقدمه، فوقفت تتأوه أوووووه ...أووووه وتشكو من الوجع، ثم صفعها صفعتين محملتين بأطنان من الحقد والغل والكراهية...ولم تزد على أن قالت له وهي تشهق بالبكاء: لقد ظلمتني... حسبي الله ونعم الوكيل.
آه..آه.. لقد ذهبت نظريات محمد في علم النفس أدراج الرياح...وسقطت شعاراته في حماية المرأة من عنف الأزواج...لقد كان موضوع رسالته في الدكتوراه: (دراسة نقدية لنصوص ضرب المرأة في القرآن....) وها هو في أمسية الاحتفال بترقيته، يصبح بطلا في الرفس والملاكمة ضد أضعف وأرق وأحن أنثى...ثم غادر الحلبة...فباتت ليلتها تتألم وتشكو إلى الله، وتدعو مولاها أن يخلصها من عذابها ويعوضها خيرا...عند الضحى دخل زوجها بل عدوها... والشرر في عينيه... لقد خسر معاركه كلها، بل حروبه جمعاء، أما هي فقد ربحت معركة الثبات.. نظر إليها النظرة الأخيرة... ثم لم يتلفظ بغير كلمة واحدة ثلاثا: أنت طالق...طالق...طالق....(يتبع)
د يزيد حمزاوي
د يزيد حمزاوي
www.facebook.com/yazid.hamzaoui.5/posts/1022422764607976

قصة رائعة، رد الله تعالى ضال المسلمين إلى دينه ردا جميلا. وخلصنا من العالميين ....
ردحذف