بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 12 فبراير 2019

قصة قصيرة (الحلقة 9) لا أريد زوجة محجبة... ...لا أريد زوجة متبرجة

قصة قصيرة (الحلقة 9)
لا أريد زوجة محجبة...
...لا أريد زوجة متبرجة!
د: يزيد حمزاوي

تأتي أيام وتمرُّ أخرى... والوضع على حاله... الزوجان في أوج نشاطهما التنويري ونضالهما التحريري... يخدمان قضايا المرأة والأسرة بتفان، ويشاركان همَّ الغرب ورغبته الصادقة في تحضر الشرق ونفض غبار التقهقر عنه... وكان على الأبواب حدثٌ عالمي بارز، هو مؤتمر الأمم المتحدة الذي تنوي تنظميه عن المرأة وحقوقها الراسخة... سُمي "مؤتمر لندن لامرأة الألفية الثالثة"... وهو اجتماع تعقده هيئات ومؤسسات دولية علمانية وإلحادية، دورها إقصاء الدين، وتهميش التقاليد، ومواجهة الأعراف، وإلغاء القوانين المكبلة لحقوق النساء والمقيدة لحريتهن... على غرار مؤتمر جنيف والقاهرة وبكين...عادة ما يدوم المؤتمر يومين أو ثلاثة، تُناقش فيه أبرز الشؤون التي تخص الأنثى، وموضوعات الأسرة، تُقترح تشريعات وتُقدم توصيات، تتبناها الهيئات الأممية بالتعاون مع الحكومات، وتفرضها على الشعوب بالترغيب والترهيب.
... اختير محمد ونوال لتمثيل الهيئات العربية في تلك التظاهرة الفكرية والحقوقية، كونه أستاذا جامعيا ذا شهرة عالية، وزوجته إحدى المسؤولات عن الجمعيات والاتحادات النسائية للشرق الأوسط وشمال إفريقيا... بعد تحضيرات مكثفة، امتطى الزوجان الطائرة، التي حطت رحالها بلندن، وقضيا ليلتهما الأولى بأحد فنادقها... تناولا عشاءهما في مطعم شهير مطل على نهر "التايمز"...ثم أخلدا إلى النوم باكرا...فموعد الانطلاق إلى الحدث العالمي لا تفصله عنهم سوى سويعات.
وفي اليوم التالي بدأت أشغال المؤتمر... وحضر ممثلو ال دول الأعضاء في الأمم المتحدة، وضيوف آخرون كثيرون... كان الزوجان مسرورين ومغتبطين بهذا التشريف، الذي حظيا به في تمثيل كل من بلدهما وبعض الجمعيات والهيئات الرسمية العربية والإسلامية... ولم يكد الوافدون يدلفون إلى قاعة المؤتمرات، ويجلسون على المقاعد المخصصة لكل وفد ـ حسب البروتوكولات ـ حتى توالت الصدمات..
فقد لاحظ محمد من الوهلة الأولى أن وفده وجُل الوفود العربية والإسلامية والدول النامية، خصصت لها الأماكن الخلفية، بينما استحوذ الأمريكيون والأوربيون على الأماكن الأمامية... لكن ما أثار حفيظته وأجج اشمئزازه وسخطه، هو تربع الوفد الصهيوني على الصدارة... 
فتساءل محمد في نفسه: كيف يُقدم علينا "بروتوكوليا" وفد لا يتعدى عدد سكان بلده "كمشة" ملايين، وهم ممن عُرفوا بانتهاكات فظيعة لحقوق البشر والشجر والحجر، ويؤخر من يمثل "الملايير" من بني الإنسان على هذه البسيطة!!؟
...تساؤلات وتساؤلات لم يسبق أن دارت بخلده...وها هي في هذه اللحظة تدق باب عقله بإلحاح ولا تكاد تتوقف ليرتاح...
وعندما انطلقت الوفود بإلقاء الكلمات.. أُعطيت الكلمة للوفد الصهيوني... نهض محمد ونوال فورا من مقعديهما، وغادرا القاعة، وسط اندهاش الحاضرين واستغراب المنظمين وسخط آخرين... فبلدهما لا يعترف بهذا الكيان الغاصب لأرض فلسطين... عاد محمد وزوجته لما استلمت الكلمة دولة الأرجنتين... ولما انتهت الفترة الصباحية من أشغالها، توجه الحاضرون إلى المطعم لتناول وجبة الغداء...جلس الزوجان إلى طاولة جانبية... وبينما هم كذلك اقترب منهم كارل ليبرمان، رئيس الوفد الأمريكي، فسلم تسليمة دبلوماسية، ثم قعد بلا استئذان وسأل باستهجان: ما هذا التصرف الغريب والسلوك المشين لوفدكم؟ كيف تغادرون القاعة أمام الجميع حين منحت الكلمة للوفد الإسرائيلي؟
محمد: إن دُولنا التي نمثلها مقاطعة لهذا الكيان، وأنا موقفي الشخصي هو رفض التعامل معه أينما حلَّ أو ارتحلَ؟
كارل ليبرمان: هذا مؤتمر حقوقي ثقافي وفكري، لا علاقة له بالسياسة، فالرجاء ألاَّ تُسَيسُوا مواقفكم الحقوقية؟
محمد: مواقفنا نحن من يتخذها، ولا تفرضها علينا "اللوبيات" وجماعات الضغط والمصالح، كما تريد أن تفعل أنت الآن؟
كارل ليبرمان: نحن الأمريكيين لن نسكت... وإذا لم تعتذروا للوفد الإسرائيلي فسنطالب بإبعادكم من المؤتمر.
محمد: نحن لن نعتذر، ونُدين مشاركة هؤلاء، ونرفض أطروحاتهم، وقررنا اقتراح طردهم من باقي الجلسات.
قاطعه كارل ليبرمان بحدة وقهقهة: هههههه.... من أنتم لترفضوا وتُدينوا!؟ ما هو مستواكم ومكانتكم ومحلكم من الإعراب لتقرروا وتقترحوا؟ أنتم تمثلون دولا متخلفة على هامش الحضارة... اعلم أننا نحن من نظمنا المؤتمر ودعوناكم للمشاركة فيه... كما نفعل في بقية النشاطات العالمية... أنتم لستم هنا لتقرروا وتقترحوا... فنحن من يدبر ويشرع ويقرر... وجودكم، هنا، هو للتوقيع والتصفيق والتنفيذ لا غير...
محمد: هذا كلام مهين ومخز في حقنا وحق شعوبنا... هل هذه هي قيمتنا في عيونكم؟
كارل ليبرمان: أنا لن أكثر الكلام ولا أعيده... وفدنا سيطالبكم بالاعتذار عما بدر منكم تجاه الوفد الإسرائيلي الصديق.
محمد: لن نفعل، فلا تتعب نفسك في الضغط والتهديد والوعيد...
لما رأى كارل ليبرمان إصرار خصمه وغريمه على موقفه ورفضه الاعتذار، قام من الكرسي متجهما، وأردف ساخرا: لقد سألتني عن قيمتكم أنتم المسلمين والعرب في أعيننا... فسأخبرك أنكم هنا لتوقعوا وتبصموا على ما اتفق عليه أسياد هذا العالم، ولا دور لكم غير ذلك...لأنكم مجرد "طراطير"!!!
...كانت تلك اللفظة أشبه بسكين أُغمد في شغاف قلب محمد، مزقت شفراته أغور أعماقه، لقد جرحت مشاعره بل كرامته... لكنه كظم غيظه وتمالك نفسه، وهو ينظر إلى الأمريكي مغادرا المكان، مزهوا بمنكبيه العريضين، يتبختر بمشية تطفح بالكبرياء والخيلاء... حينها نظرت نوال التي شهدت تلك المحادثة المهينة إلى محمد، وقد اغرورقت عيناها بالدموع، فألقى هو بالملعقة من يده... ووضعت هي تفاحة كانت توشك على التهامها...لم يكن الزوجان في حياتهما النضالية، قد سمعا كلاما مؤذيا ومقززا في حق بلدانهم وشعوبهم، مثل الذي تقيأه بعنجهية رئيس الوفد الأمريكي...
بعد صمت عميق تنهدت نوال وقالت:... هذه هي الحقيقة إذن، نحن "كومبارس" في سيناريو عالمي يكتبه غيرنا، نحن لا نعدو أن نكون ممثلين من الدرجة العاشرة بل "ديكورا" في فيلم: أبطاله ونجومه ومخرجوه وممولوه هم... نعم... هم..
محمد: حسبت نفسي مفكرا ومنظرا لقضايا المرأة ومدافعا عن حقوقها، وأنت ناشطة حقوقية سلخت نصف عمرها في النضال النسوي...ظننا أنفسنا مع العالم الغربي المتحضر أصحاب قضايا واحدة، وتجمعنا معاناة المرأة عبر الكرة الأرضية... فإذا بنا مجموعة أصفار عريضة وطراطير حمقاء على حد وصفهم...يا للمذلة! يا للعار!
جاء موعد الفترة المسائية... وعندما مُنحت الكلمة للوفد الذي يقوده محمد، طلب رئيس الجلسة، بتوصية أمريكية، تقديم الاعتذار للصهاينة...فقام محمد وهو شامخ الرأس... يمشي بخطى ثابتة إلى المنصة، فبدأ خطابه بشكر المنظمين، وتحية الحاضرين، ثم قال:... أيها السادة المحترمون!... طُلب من وفدنا الاعتذار عن مغادرتنا للقاعة هذا الصباح...بعد ضغط شديد من بعض الأشخاص... وجوابنا صريح واضح: لن نعتذر... بل مصممون على موقفنا...إن وفدنا جاء للمؤتمر لا ليسيس شؤون المرأة وحقوقها، وإنما للدفاع عن تلك الحقوق...أيها السادة! كيف تريدون أن نسمع لكلمة وفد يزعم المنافحة عن تلك الحقوق، في حين دولته تغتصب الأرض، وتنتهك العرض، وترمل المرأة بقتل زوجها، وتيتمها بذبح أبويها، وتثكلها بحرق أولادها بالقصف والخسف، وتحرمها من الحركة في الممرات، وتهينها في المعابر والطرقات، تفتشها عشرات المرات وهي متوجهة إلى حال سبيلها... والإحصاءات مخيفة مفزعة عن عدد المسجونات والمحرومات من أبسط حقوقهن في الكرامة والحياة... فلا أدري لماذا هذا التشدق بحقوق المرأة، وذرف دموع التماسيح على حالها...!؟
أيها السادة المحترمون!... كرامتنا فوق كل اعتبار، وتأبى أن يكون الوفد الذي تشرفت بتمثيله شاهد زور بعد اليوم، ولا أن يمسي من نمثلهم أتباعا ذليلين خاضعين لما يخَطط في الغرف المغلقة، ويفرض علينا كأننا أطفال لم نبلغ الرشد بعد... لن نقبل مستقبلا أن نصير في هذه القضايا المصيرية مجرد "طراطير"....(يتبع).
توقيع: د يزيد حمزاوي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الاستهلال

نبذة عن العلمانية د. إسماعيل محمد حنفي أولاً: مفهوم العلمانية(1): العلمانية في الحقيقة تعني إبعاد الدين عن الحياة أو فصل الدِّين عن ا...

المشاركات الأكثر مشاهدة