بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، 12 أغسطس 2019

نبذة عن العلمانية
د. إسماعيل محمد حنفي

أولاً: مفهوم العلمانية(1):
العلمانية في الحقيقة تعني إبعاد الدين عن الحياة أو فصل الدِّين عن الحياة أو إقامة الحياة على غير الدِّين؛ سواء بالنسبة للأئمة أو للفرد.

أما أصل كلمة علمانية فهي ترجمة غير صحيحة للكلمة اللاتينية (SECULARISM) وترجمتها الصحيحة هي: اللادينية أو الدنيوية, بمعنى ما لا علاقة له بالدين ويؤكد هذه الترجمة ما ورد في دائرة المعارف البريطانية في مادة (SECULARISM) "هي حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس وتوجيههم من الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بهذه الدنيا وحدها؛ وظل الاتجاه إلى الـ(SECULARISM) يتطور باستمرار خلال التاريخ الحديث كله، باعتبارها حركة مضادة للدين ومضادة للمسيحية كما يؤكد أن ترجمة الكلمة اللاتينية هي اللادينية؛ ما أورده معجم أوكسفورد شرحاً لكلمة (SECULAR):

(1) دنيوي أو مادي، ليس دينياً ولا روحياً مثل التربية اللادينية، الفن أو الموسيقى اللادينية، السلطة اللادينية، الحكومة المناقضة للكنيسة.
(2) الرأي الذي يقول إنه لا ينبغي أن يكون الدين أساساً للأخلاق والتربية.

هل الاسم العربي له صلة بالاسم؟
ليس له صلة بالعلم لأنه كما ذكرنا أن أصل الكلمة باللاتينية ليس له علاقة بالعلم، والذين ابتدعوها لم يريدوا بها العلم من قريب ولا من بعيد. ولو أرادوه لاستخدموا ما يشير إلى النسبة إلى العلم هي (SCIENTIFIC) لأن العلم بالإنجليزية (SCIENCE) وأرى أن استخدام هذه الكلمة العربية كمصطلح لهذه الفكرة فيه تضليل وتعمية،ولو سموها باسمها لانصرف أهل الفطر السوية عنها ولحاربها أهل الغيرة على الدين.

ثانياً: نشأة العلمانية:
بداية النشأة في أوروبا، وكان ذلك بسبب عبث الكنيسة بدين الله المنزَّل، وتحريفه وتشويهه، وتقديمه للناس بصورة منفرة دون أن يكون عند الناس مرجع يرجعون إليه لتصحيح هذا العبث وإرجاعه إلى أصوله الصحيحة المنزلة كما هو الحال مع القرآن المحفوظ بقدر الله ومشيئته من كل عبث أو تحريفٍ خلال القرون(2).

إنّ ما نبذته أوروبا حين أقامت علمانيتها لم يكن هو حقيقة الدين ـ فهذه كانت منبوذة من أول لحظة ـ إنما كان بقايا الدين المتناثرة في بعض مجالات الحياة الأوروبية أو في أفكار الناس ووجداناتهم، فجاءت العلمانية فأقصت هذه البقايا إقصاءً كاملاً من الحياة، ولم تترك منها إلا حرية من أراد أن يعتقد بوجود إله يؤدي له شعائر التعبّد في أن يصنع ذلك على مسئوليته الخاصة، وفي مقابلها حرية من أراد الإلحاد والدعوة إليه أن يصنع ذلك بسند الدولة وضماناتها(3).

ويمكننا تلخيص تسبب الكنيسة في نشأة العلمانية في الآتي:

ـ عقيدة منحرفة: أن الله ثالث ثلاثة، وأنه هو المسيح ابن مريم.

ـ حصر الدين في العبادة بمعناها الضيق فقط، وفي العلاقة الروحية بالخالق.

ـ نفوذ رجال الدين على الملوك وعلى عامة الناس، بحيث لا يقع تصرف منهم فيكون صحيحاً إلا عن طريق رجال الدين؛ ولو كان ذلك وفق توجيه رباني صحيح ولمصلحة البشر لم يكن فيه إشكال؛ لكن لمصلحة رجال الدين.

ـ قيام رجال الدين بالتشريع من عند أنفسهم تحليلاً وتحريماً, حسب أهوائهم ومصالحهم مثل: تحليل الخمر والخنزير، وإبطال الختان.

ـ محاربة الكنيسة للعلم وقتلها للعلماء.

ـ استغلال رجال الدين لمكانتهم في فرض عشور في أموال الناس، وتسخيرهم للخدمة في أرض الكنيسة، وفرض ما يعرف بصكوك الغفران.

ـ الفساد الخُلُقي بكل أنواعه كان يمارسه رجال الدين.

ـ مناصرة الكنيسة للمظالم السياسية والاقتصادية والاجتماعية الواقعة على الناس.

كل تلك الأسباب وغيرها أدت إلى نبذ أوروبا للدين وإقبالها على العلمانية باعتبارها مخلصاً لها مما عانته من سطوة رجال الدين، وسبيلاً للانطلاق والتقدم الذي كان الدين ـ بذلك التصور وتلك الممارسات ـ حجر عترةٍ أمامه.

ولكن البديل الذي اتخذته أوروبا بدلاً من الدين لم يكن أقل سواءً إن لم يكن أشد؛ وإن كان قد أتاح لها كل العلم والتمكن المادي يطمح إليه كل البشر على الأرض تحقيقاً لسُنَّةٍ من سُنن الله التي تجهلها أوروبا وتجهل حكمتها، لأنها لا تؤمن بالله وما نزَّل من الوحي: (فلما نسوا ما ذكِّروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتةً فإذا هم مبلسون) [سورة الأنعام: 44]، وإذا كان الغالب على ردود الأفعال هو الاندفاع لا التعقّل ولا التبصّر ولا الرويّة ولا الاتزان فقد اندفعت أوروبا في نهضتها تنزع من طريقها كل معلم من المعالم الإلهية –سواءً كانت إلهيةً حقاً أو مدعاة من قبل الكنيسة- وتصنع مكانها معالم بشرية من صنع الإنسان، كما تنزع من طريقها كل ما يتصل بالآخرة لتصنع بدلاً منه ما يتصل بالحياة الدنيا([4])، والحاصل أنهم وقعوا في أسوأ مما فروا منه حين نبذوا الدين كله ونقول إنّ ذلك ليس غريباً؛ فالعقائد الباطلة والتصورات المنحرفة، والممارسات الضالة لا تأتي بخير فالذي خَبُث لا يخرج إلا نكِداً.

وإن كان ذلك قد جرى في أوروبا بسبب الكنيسة ورجال الدين، فليس ذلك موجوداً في دين الإسلام، ولا يمكن أن يقع مثل الانحراف الشامل ويغيب الحق والصواب عن الناس؛ لأن أصول هذا الدين معلومة ومحفوظة، ولا يزال أهل العلم وحملة الحق في كل زمان يُبيّنون ويُوضّحون للناس، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ولو حصل شئ من الانحراف فإنه يكون معلوماً، ولن يتفق عليه أهل الإسلام وهو يعالج بما يؤدي إلى مصالح أكيدة، فالخطأ عندنا أمة الإسلام لا يُعالج بالخطأ، والخطأ الذي يقع إنما هو منسوب للبشر فهي ممارستهم واجتهاداتهم, ولا يصح أن يُحمل على الدين وأن يكون ذريعةً لرفض منهج الله.

ثالثاً: من آثار العلمانية:

في مجال السياسة:
ـ استخدام المبدأ الميكافيلي "الغاية تبرر الوسيلة" من قبل الحكام، مما جرد السياسة من الأخلاق وأبعد عنها الدين، فأصبح استخدام كل وسيلة حلالاً كانت أو حراماً؛ أمراً عاديّاً، بل لم يكن سياسياً بارعاً من لم يفعل ذلك!!
ـ استغلال الناس للوصول إلى الحكم، عن طريق الديمقراطية المزعومة، ثم تسليط السلطة على نفي الناس وظلمهم.
ـ إبعاد الناس عن الحياة واستثناء النهج الإسلامي ذي التوجه الرباني من الوصول للحكم، بل ومحاربته والتنكيل بأنصاره، واتهامهم بالتطرف والإرهاب.
ـ نشأة التيارات المغالية التي كانت ردة فعل للأنظمة العلمانية بظلمها وفسادها.
ـ ولاء الأنظمة السياسية في بلاد المسلمين لدول الكفر، ولاءً كاملاً على حساب الإسلام والمسلمين.

في الاقتصاد:
ـ ترويج سلع العدو في بلاد المسلمين بما يقوي اقتصاده ويضعف المسلمين.
ـ أصبحت الثروة دُولةً بين عدد محدود من الأغنياء الذين لا تستفيد منه بلاد المسلمين كثيراً.
ـ أصبح المسلمون عالةً على غيرهم, معتمدين على عدوهم في كل شيء.

في الاجتماع والأخلاق:
ـ تحرير المرأة وتحللها من كل القيود التي تعصمها وتحفظ كرامتها.
ـ تفكك الأسر وضياع أفرادها.
ـ انتشار جرائم الأطفال وفسادهم.
ـ انتشار الخيانات الزوجية, وكثرة أبناء الزنا.
ـ الترويج للشذوذ الجنسي.
ـ ضعف الروابط بين الأقارب والأرحام؛ بسبب التركيز على الجانب المصلحي في الحياة والعلاقات بين الناس.
ـ انتشار ثقافة التحلل والتفسُّخ والشهوة, مما أدى إلى كثرة الفساد الأخلاقي, وانتشار الأمراض الفتاكة.

في التربية والثقافة:
ـ تفسير الدين تفسيراً ضيقاً, وتحديد علومه تحديداً قاصراً.
ـ التفريق بين نظام تعليم رسمي حكومي, ونظام تعليم أهلي ديني؛ مع إهمال الأول والاهتمام بالأخير.
ـ إهمال اللغة العربية والتربية الإسلامية, مع إظهار الاهتمام بغيرهما من المواد العلمية والعصرية.
ـ بث السموم والطعن في المقررات والمناهج الدراسية ضد الإسلام, مع الاهتمام بالثقافة الأوروبية.
ـ انتشار ترجمات الكتب الغربية في بلاد المسلمين, بل وكذلك الكتب الغربية بلغاتها الأصلية؛ تحت اسم الثقافة ودراسة الأدب...الخ.
ـ عودة كثير من أبناء المسلمين الذين درسوا وتربوا على مائدة الغرب ليساهموا في نشر ثقافته وفكره وينافحوا عنها.
ـ الفصل بين ما هو ديني وما هو غير ديني في الصحف والمجلات: مجلة دينية, صحيفة دينية, صفحة دينية, برنامج ديني...إلخ.
ـ انتشار الاختلاط في المؤسسات التعليمية؛ حتى أصبح أصلاً, ومن ينادي بفصل الجنسين يصبح شاذاً!
ـ حصر مفهوم الثقافة في أدب اللهو والمجون, والطرب والغناء.

رابعاً: كيف نواجه العلمانية:
لا حاجة ـ بعد كل ما ذكرناه ـ إلى الكلام عن حكم العلمانية, فقد اتضح لنا أنها دين مستقل؛ ابتدعه البشر ليكون مقابل دين الله وبديلاً لشرعه, وبذا فهي كفرٌ صراح, ومواجهتها واجب, لكن كيف؟
ـ بنشر العلم الشرعي وتوعية الناس بدينهم.
ـ بتربية أبناء الأمة على الإسلام, في الأسرة والمؤسسات المختلفة.
ـ بنشر الثقافة الإسلامية من خلال: الكتب, المجلات, المقررات الدراسية, أجهزة الإعلام...
ـ بتعرية فكر العلمانيين والرد عليهم.
ـ بالتمسك بشريعة الإسلام والعضِّ عليها بالنواجذ.
ـ بتوعية الأمة بخطورة العلمانية على الدين والمجتمع.
ـ بتقوية عقيدة الولاء والبراء.

----------------------
(1) د. سفر الحوالي، العلمانية، ص 21ـ24، Ency.Britanniea.Vol.lxp.19. Oxford Advanced Learner’s Dic. Of Current English:785
(2) محمد قطب، العلمانية، ص7
(3) المرجع السابق، ص11.
(4) محمد قطب، مرجع سابق، ص17ـ29.

المصدر : شبكة المشكاة الإسلامية     
مذاهب فكرية
كتب حول العلمانية
مقالات حول العلمانية
الليبرالية
الحداثة
منوعات
رجال تحت المجهر

الثلاثاء، 16 يوليو 2019

مقالة في الفرق بين التمدن والتحضر ///حسن محسن رمضان


مقالة في الفرق بين التمدن والتحضر


حسن محسن رمضان



تواجه المجتمعات العربية والإسلامية إشكالات متعددة على مستوى تفاعلاتها مع المجتمعات الأخرى. فمن جهة هي بلا شك تملك إرثاً تاريخياً وثقافياً وحضارياً متميزاً وذا محاور متشعبة، وهو أيضاً ذا تأثيرات واضحة المعالم، إلى درجة ما، على الحضارات الأخرى. ومن جهة أخرى، فإن هذا الإرث الحضاري والثقافي قد أصابه الجمود والسكون أو حتى التراجع خلال الثمانمئة سنة الماضية بحيث أصبح في كثير من صوره ومظاهره يشكل عبئاً على المجتمعات العربية والإسلامية المعاصرة في مواجهة ما تتميز به المجتمعات الحديثة الأخرى من ديناميكية سريعة التغير والتطور. الإشكالية تتبدى في أن الحضارة الإسلامية في فترة تطورها وتميزها منذ أكثر من ألف سنة، مع ما كانت تحتويه من قوميات وثقافات داخلية متباينة ومتنوعة وثرية، قد اتخذت شكلها المعروف آنذاك ضمن محيط كان يتميز بالتغير التدريجي البطيء الذي يأخذ زمناً غير قصير في نقل المعلومة، ثم استيعابها ومناقشتها، ثم اتخاذ موقف منها بالقبول والإيجاب وربما التطوير أو بالرفض والعداء وربما الإلغاء التام. وما يتم قبوله من أفكار وآراء في تلك الحقب التاريخية، ولو مبدئياً من جانب البعض القليل، كان يجب الانتظار لفترات طويلة جداً، عدة قرون في بعض الحالات، حتى يتجلى تأثيرها على الأفراد والمجتمعات بشكل واضح وملموس مع ما تستتبعه من إفرازات فكرية أو سلوكية. كانت تلك المجتمعات القديمة، في الأصل والسياق الطبيعي لها، مغلقة فكرياً وعقائدياً على نفسها على أي مقياس قصير نختاره تاريخياً، بل هي حتى مغلقة في وجه المجتمعات التي تناظر وتُشابه ثقافتها ومعاييرها الحضارية . كانت تلك هي القاعدة، أما الحوادث القليلة النادرة التي شهدت تفاعلاً ديناميكياً إيجابياً بين الجماعات الإنسانية فهي السياق الشاذ الذي يعجز أي دارس للتاريخ أن يعطي أمثلة متسلسلة متصلة عليها. المجتمعات كانت تبدو "مغلقة" لأسباب متعددة منها البطء الذي يستلزمه نقل وانتشار المعلومة أو الفكرة حتى وإن كانت هذه المجتمعات ذات تفاعل تجاري أو عسكري من أقصى الشرق إلى الغرب، هذا بالإضافة إلى العامل العقائدي الفاعل والنشط على مستوى الوعي العام والذي يتفاعل بطبيعته ببطء شديد مع كل المعايير الجديدة والمستحدثة.

والملاحظ أن الدافع أو المحرك الرئيس للتميز الحضاري في المجتمعات القديمة، ومنها العربية والإسلامية على الخصوص، كانت تخضع دائماً لقناعة فرد، شخص واحد، تشاء الصدف أن تضعه على رأس السلطة في هذه المملكة أو تلك الإمبراطورية. فإذا تغيّر هذا الفرد، لسبب أو لآخر، تغيّر السياق الفكري والحضاري الذي يبرز ويتقدم في زمنه. فالمد والجزر الحضاري، كما هو في التراث الإسلامي، نراه مرتبطاً في الأغلبية الساحقة من تجلياته ليس بأشخاص مبتدعيه وليس بمناخ ناتج من إرث فكري أو ثقافي يتبناه المجتمع كمجموع عام، ولكن على الحقيقة مرتبط بأشخاص ومزاجية وقناعة ملوكه وسلاطينه وخلفائه. فأغلبية التراث الفلسفي مع ما سبقها من عمليات ترجمة واسعة، إنما تمت بسبب مشيئة سُلطة. وابداعات الفلاسفة المسلمين في معظمها كانت إما بسبب تبني السلطة لهم أو بسبب رغبتهم الواضحة في ذلك. ثم بعد ذلك الحرب الشرسة التي تعرضت لها الفلسفة والمنطق وعلم الكلام كان أيضاً بسبب قناعة ومشيئة السلطة. وكل الإرث المعماري الرائع من تاج محل في الهند إلى قصر الحمراء في غرناطة إنما تم بسبب مشيئة سُلطة. وكذلك الحال مع الجهود المبذولة في علوم الفلك والطب والهندسة والميكانيكا، بل حتى الفنون والأدب من نثر وشعر وما يستلزمه من خط وتذهيب، كان بروزها أو ضعفها مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالسُلطة وشخص حاكم أو صاحب ثراء. فكأن الجهد الحضاري، ضمن السياق الإنساني العام ومنها الإسلامي، ليس مرتبطاً بالعقيدة والدين والمذهب، ولكن بالظرف السلطوي السياسي المحيط ومدى ملاءمته لبروز هذه الجهود واستمراريتها. كما أن هذا الظرف المحيط هو الذي يحدد في أي اتجاه سوف تسير فيه هذه الجهود ونوعيتها ومدى إبداعها.

الجهود الحضارية الإسلامية عانت، بالإضافة إلى ما سبق، من قصور خطير على مستوى المفاهيم العامة المجردة. فالملاحظ أن النتاج الإبداعي الإسلامي لم يلتفت إطلاقاً إلى تطوير الأفكار المجردة والبحث فيها. فلا يوجد في المجهود الفكري والفقهي الإسلامي أي نظر مجرد لـ "الحرية" أو "الدولة" أو "المساواة" أو "السُلطة" أو "المواطنة" مع ما يستلزمها من حقوق وواجبات. كما أنها لم تُعر أي اهتمام حتى لتطوير مفاهيم أتى الدين الإسلامي حاثاً عليها كمفهوم "الشورى" مثلاً الذي ورد في النص القرآني. كل هذه، ضمن أخرى، قفز عليها المجهود الفقهي والفكري الإسلامي لصالح قضايا الصراع الفلسفي – الفقهي، أو لصالح تأصيل وتأكيد سلطة الفرد المتسلط الحاكم (وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك) ، أو لصالح صراع العقائد والمذاهب والأديان. هذا القصور جعل مسألة "الاستبداد" ظرفاً طبيعياً شرعياً "إسلامياً" بحيث أكّدَ معه مشروعية الارتباط الوثيق بين المجهود الحضاري وبين مزاجية أو مشيئة شخص الحاكم أو السلطان.

تميزت المجتمعات الخليجية والعربية المعاصرة بهذا السياق العام للحضارة الإسلامية. فالواقع أن هذه المجتمعات كانت حتى أكثر بقليل من سبعين سنة مجتمعات مغلقة حضارياً وثقافياً على التطور السريع التي كانت تشهده أوروبا وأمريكا الشمالية . فعندما كانت مجتمعاتنا ينخر فيها الجهل والأمية والأمراض الفتاكة والفقر والتسلط وغياب العدالة الاجتماعية وانعدام أبسط الأدوات المدنية في حياة الناس وانعدام أي فهم سليم لواجبات الدولة وحقوقها وآليات السيادة، كان الأوروبيون قد انشأوا محطات توليد الكهرباء ومصانع الطائرات والسفن والسيارات والأسلحة، وارتفع متوسط عمر الإنسان عندهم إلى حوالي الضعف عما كان عليه في نهاية القرن التاسع عشر واستقرت عندهم فكرة الديموقراطيات والدساتير وفصل السلطات، ووظفوا البترول في صناعات متعددة، وكانت جامعاتهم تُدرِّس الفيزياء والكيمياء والهندسة بتشعباتها المتعددة، واكتشفوا مصادر متنوعة للطاقة وللمواد الأولية وللمضادات الحيوية ووظفوها ضد أشكال متعددة من الأمراض الفتاكة. ولذلك عندما فتحت مجتمعاتنا أعينها على هؤلاء القادمين الجدد من وراء البحار سعياً وراء الهيمنة السياسية وخطوط التجارة البحرية والبرية ووراء الذهب الأسود السائل تحت رمال صحرائنا، فتحت أعينها على "مظاهر" هذا التحضر من وسائط نقل وأدوات حياة وأسلوب معيشة، لا غير. وكان هذا "المظهر" الذي رأته مجتمعاتنا أول ما رأته منشأ لسوء فهم خطير في الذهنية العربية والإسلامية استمر معنا إلى يومنا هذا.

اعتقدت مجتمعاتنا، وأحسب أن كثير من سكانها لا يزال، أن هذه "المظاهر" للحضارة الغربية هي ذاتها "الحضارة". وأن استهلاكها، إذا ما أضافوا لها قليلاً من نمط السلوك الذي يوحي بوفرة مالية لا بأس بها، هو لب التحضر وأساس الطفرة من مجتمعاتهم المغلقة على نفسها إلى رحابة المدنية المتحضرة كما تمثله مجتمعات هؤلاء الغرباء القادمين لنا من بعيد. ولكن المفارقة، وبعد حوالي ستين سنة من تبني هذا المفهوم في مجتمعات الخليج العربي وحوالي القرن في الدول العربية الأخرى، هي أننا لا نزال مجتمعات متخلفة صناعياً وعلمياً وسياسياً واقتصادياً وغير ذوي تأثير على أي سياق حضاري خارج حدود أسعار سلعة وحيدة ناضبة هي النفط أو خارج حدود صراع سياسي شرق أوسطي تقلبنا فيه من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار وكل يوم يمر علينا فيه يحمل معه كمية لا بأس بها من التنازلات من جانبنا. هذا التباين الشاسع بين النتيجة النهائية لدولنا وبينها في الدول المتقدمة لابد وأن يدل على وجود إشكال خطير إما في المفاهيم أو الممارسات أو في كليهما. فأين هو أساس هذا الإشكال؟

الإشكالية تتمحور في الخلط بين مفهومين متباينين تماماً، وهما مفهوم "التحضر" ومفهوم "التمدن" . فبينما "التمدن" لا يعدو استخدام أدوات المدنية الحديثة المتوفرة بسبب تقدم العلوم والتكنولوجيا واقتصاديات السوق الحر، فإن التحضر هو "ذهنية" محددة، هو "منهج" تفكير وقناعات مع ما يستتبعه ذلك من تصرفات وممارسات على المستوى الشخصي والمستوى العام. فليس كل متمدن هو متحضر بالضرورة، وأيضاً فإن العكس ليس بصحيح. فإنك إنْ قررت أن تجلب شخصاً ما من مجاهل الغابات أو من البراري والقفار، ثم ألبسته ما يليق بحياة المدينة ووفرت له جميع أدوات المدنية المتاحة، فإن ذلك الآتي من الغابات أو البراري قد أصبح "متمدناً" بسبب هذا، ولكن نمط تفكيره وتصرفاته وقناعاته سوف تبقى معاكسة ومخالفة لأبسط معايير "التحضر". وبسبب هذا هو لا يزال يعاني من قصور واضح يجعله عنصر غير فاعل في السياق الحضاري الإنساني العام. وأيضاً، فإن المجتمعات الفقيرة التي لا تتوفر فيها أسباب المدنية وأدواتها قد تكون "متحضرة" في تصرفاتها وقناعاتها وأنماط تفكيرها وإن غابت عنها الكثير من أدوات المدنية الحديثة. فهذين المفهومين هما متباينين تماماً من حيث المحتوى والمضمون. إشكالية مجتمعاتنا تتبدى في أن مفهومي "التحضر" و "التمدن" قد اختلطا تماماً في الأذهان بحيث أصبحا شيئاً واحداً على مستويي المضمون والممارسة. فالتحضر أصبح مساو ٍ في المعنى للتمدن ومرادف له، وكل السلوكيات الرسمية والشعبية، سواء في الخطاب أو الممارسات، أصبحت تعكس بشكل واضح هذا الخلط في المفهوم والقناعات. فبينما أصبح نمط حياتنا أكثر تمدناً وأكثر راحة باستخدام أدوات المدنية، بقي نمط تفكيرنا وقناعاتنا، وفي مظاهر كثيرة حتى تصرفاتنا، كما كان عليه تماماً منذ سبعين أو ثمانين سنة على أقل تقدير، وبقيت صراعاتنا الفكرية تماماً كما هي منذ أكثر من الف سنة على الأقل، وبقيت مواضيعها كما هي تماماً. هذا الخلط والتطابق في مجتمعاتنا بين هذين المفهومين، مفهومي التحضر والتمدن، هو السبب الرئيس في تأخرنا على أكثر من جانب وصعيد. فلا تزال أعراف ومفاهيم "القبيلة" و "القرية" وأدواتهما وأساليبهما تسيطر على جوانب كثيرة من أول مستوى في الهرم السياسي ونهاية بالفرد العادي وتصرفاته في داخل مجتمعه مع ما يصاحب ذلك من مفاهيم وقناعات يتم بثها بوعي أو من دون وعي في محيط الدولة والمجتمع. فلا فرق حقيقي بين رئيس جمهورية أو أمير دولة أو ملك مملكة في أي من دولنا من حيث سلطته المطلقة على الافتئات على القانون ومن حيث كون "كلمته" تساوي "مشيئة سامية" وهي الفيصل النهائي في أي خلاف أو رغبة، وبين رئيس قبيلة أو "مختار" قرية اللذين يسيِّران شؤون محيطهما بنفس المنهج والأدوات في كل الحقب التاريخية الماضية. هذا ناتج بالضرورة عن الخلط الواضح بين مفاهيم الدولة المدنية الحديثة والخصوصيات الثقافية والعقائدية لمجتمعاتنا التي تحاول من دون جدوى التسلق على سلم التحضر، وبين "التمدن" الذي ينعكس فقط على المظهر الخارجي للفرد والدولة ولكن يبقى اللب معتقلاً بمفاهيم القبيلة أو القرية وعصبيتهما وأعرافهما وأدواتهما وتفاعلاتهما. وبمفاهيم القبيلة أو القرية أنا أقصد ذلك المفهوم العام الشامل الذي يحتوي على، ويعمل من خلال، العصبيات المصلحية والعائلية والعقائدية والعرقية والطبقية بصورة تراتبية واضحة المعالم للمراقب من بعيد والتي تكون جزءاً لا يتجزأ من الدوافع الحقيقية ضمن أعراف القبيلة أو القرية وأدواتهما. وهذا مُشاهد وواضح ضمن كل دولة من دولنا العربية وبلا استثناء.

عندما كتب ابن خلدون في مقدمته: "إن العرب إذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب، والسبب في ذلك أنهم أمة وحشية باستحكام عوائد التوحش وأسبابه فيهم، فصار لهم خُلُقاً و جَبَلة. وكان عندهم ملذوذاً لما فيه من الخروج عن ربقة الحُكم و عدم الانقياد للسياسة، وهذه الطبيعة منافية للعمران ومناقضة له"، فإنه كان يشير إلى إشكالية خطيرة على مستوى الفكر والقناعات والمفاهيم. وقبل أن يعترض معترض بأن هذه "عنصرية" و "فئوية" وإلى آخر تلك التهم الإلغائية المعلبة الجاهزة عندنا، فإنني أود أن أقول بأن "التعرب" هو صفة، ممارسة، مفهوم، منهج، عقلية يشترك فيها الجنس البشري كله وبلا استثناء. ففي دولنا كلها وبلا استثناء يوجد مواطنون ممن أصولهم لا تمُتُّ للأصل العربي بأية صلة، بل هُم لا يزالون لا يتكلمون العربية بطلاقة، ولكنهم متعربين بجدارة بسبب هذا المفهوم الخلدوني الغالب عندنا. وأيضاً عندنا منهم ممن أتوا من الشمال والجنوب والغرب، سواء بسواء. عندنا متعربين شيعة وبحماس منقطع النظير، تماماً كما عندنا متعربين سنة وبحماس يفوق الآخرين والأولين، وعندنا متعربين ليبراليين وعلمانيين وشيوعيين وقوميين ومتدينين وملاحدة، لا فرق بينهم أبداً. فـ "التعرب" هو منهج قرآني إسلامي مذموم سيئ مذكور في نصوص القرآن الكريم بالاسم الصريح المباشر. فهو، أي القرآن، يشير صراحة إلى أن التعرب كممارسة هو خراب ودمار، هذا مع العلم أن النبي محمد- صلى الله عليه وسلم-عربي أصلاً وفصلاً. فلا علاقة أبداً، لا من قريب ولا من بعيد، بين أن تكون عربي وبين أن تكون متعرب. فالأول أصل وعِرق، والثاني مفهوم وممارسة. وإشكالية التحضر والتمدن عندنا تنبع أساساً من تبني "مظاهر" التمدن كما نشتريها بأموالنا من الحضارة الغربية ولكن مع إبقاء العقلية والذهنية والقناعات والممارسات أسيرة لمضامين مصطلح "التعرب". وتكون النتيجة كما وصفها ابن خلدون بدقة: "فتبقى الرعايا في ملكتهم كأنها فوضى دون حكم، والفوضى مهلكة للبشر مفسدة للعمران". وحالة "الفوضى" في دولنا التي هي مفسدة للعمران (التحضر) واضحة جداً لكل فرد يعيش اليوم بيننا مما يغنينا عن التدليل عليها.

أساس إشكالية مجتمعاتنا الخليجية والعربية هو افتراض أن مظاهر المدنية هو مطابق تماماً للتحضر، وأنَّ بروز "مظاهر" المدنية فقط كفيلة بأن تجعلنا نصطف في قائمة الدول المتحضرة. ولكن الحقيقة أن ما ينتج عن هذا الافتراض لا يتعدى حالة من الـ "فوضى" تتبدى واضحة على أكثر من محور. والوعي بخطورة الخلط بين هذين المفهومين، التحضر والتمدن، يمثل أولى درجات الحل العقلاني لكثير من تناقضاتنا على المستوى الحضاري. لنتفكر قليلاً في هذين المفهومين، فإن تأكيد الفرق بينهما في وعينا الفاعل سوف يخرجنا من بعض أزماتنا على الأقل.

الاثنين، 3 يونيو 2019

فاعتبروا يا أولي الأبصار - أ.د. عبدالكريم بكار

{ فاعتبروا يا أولي الأبصار }
أ.د. عبدالكريم بكار
 
هذه آية جليلة الشأن في الكتاب العزيز سرت مسرى المثل ، وذاعت على الألسنة والأقلام ؛ لأنها تعني وجوب الاستفادة من تراكم الخبرات البشرية ، وأخذ العظة والعبرة من أحوال الأمم السابقة ، والمعاصرة ، وتوفيراً للجهد ، واختصاراً للطريق ، وفراراً من عذاب الله تعالى ...
وقد قص الله تعالى علينا في سورة الحشر قصة جلاء بني النضير من المدينة إلى خيبر والشام مبيناً وقوع ما ليس في الحسبان ، فقال تباركت أسماؤه : { هُوَ الَذِي أَخْرَجَ الَذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وأَيْدِي المُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ } [الحشر : 2] .
لقد كان خروج بني النضير في تلك الصورة المهينة الذليلة حدثاً بعيداً عن أذهان بني النضير وأذهان المسلمين لأن الأسباب المادية التي أخذ بها القوم كانت على درجة من الإتقان والإحكام تحول دون تصور ما وقع ..
ولكن العزيز الجبار الذي لا رادَّ لأمره ، ولا معقب لحكمه أتاهم من حيث لم يحتسبوا أتاهم من الداخل ، فألقى في قلوبهم الرعب ، فخارت عزائمهم ، وأدركوا أن قوتهم ما عادت تغني عنهم شيئاً .
وما أشبه الليلة بالبارحة ‍‍‍ ! !
فهذه هي النظرية الشيوعية تنهار اليوم في أسرع مما كان يدور في خلد البشر ، وهذه هي مئات الألوف من الكتب والمجلدات التي سطرت في فلسفة النظرية وترويجها وتكييف البشر معها تغدو رماداً تسفوه رياح التغيير العاتية في وجوه السدنة والكهنة والمرتزقة والأذناب وأشباه الأذناب ..
لقد كان سقوط النظرية الشيوعية أمراً لا مفر منه ، ولكن المذهل هو انهيار البناء الذي أنفق فيه ثلاثة أرباع القرن من الزمن مع ملايين الأنفس وما لا يحصى من الآلام والعذابات وصنوف المعاناة الإنسانية في أسرع من لمح البصر .
قد كانت أفكار (كارل ماركس) رد فعل لحرمان طويل ومعاناة شخصية قاسية . والناموس العام لردود الأفعال البعد عن الموضوعية وفقدان الاتزان . وقد قبل أفكار (كارل ماركس) في البداية صنفان من البشر : 
صنف طحنه الظلم والحرمان ، وتقلب دهراً في التعاسة ، وطرق كل باب للخروج من نفق الظلمات الذي ولد فيه فإذا بنظرية تعده بجنة على الأرض تنسيه طعم كل ما مضى من العناء والبلاء ، فهبَّ إلى اعتناقها والترويج لها على أنها الحل الأخير والمخرج الوحيد . والصنف الآخر - وهم الكثرة من الأشياع - وجد في السلطات المطلقة التي تركزها النظرية في قبضة الحزب الشيوعي والدولة الماركسية ما يلبي من خلاله كل طموحاته الشخصية من الجاه والمال والتسلط ، وما يتفرع عن ذلك من شهوات
وملذات ومصالح ..
ولم يمض وقت طويل حتى أدرك الذين كانوا يحلمون بالفردوس أن الخبر غير الخبر وأن المحصول غير المأمول ..
ولكن إدراك الشعوب كثيراً ما يأتي متأخراً بعد فوات الأوان ..
فقد ركزت الحكومات البلشفية المتعاقبة على صناعة السلاح دون باقي الصناعات حتى تتمكن من كسر شوكة أي معارضة محتملة للثورة على حين أنها لم توفر لشعوبها أحذية جيدة تنتعلها ..
وجمعت إلى ذلك تجنيد عشرات الألوف من المخبرين السريين الذين يحصون أنفاس الشعوب ويعدون نبضات قلوبهم .
ولجأت الشعوب إلى سلاحها الماضي وحيلتها الأخيرة ، فشرعت في المقاومة السلبية ، وأدارت ظهرها لخطط التنمية المتعاقبة التي كانت تضعها الحكومات الشيوعية . ومن البدهي أن الحكومة تخطط وأن الشعب ينفذ فإذا لم ينفذ الشعب كانت الخطط حبراً على ورق أو صرخة في واد ، وهذا ما جرى لقد كان كل عام يمر يعنى مزيداً من الفروق المعيشية والحضارية بين أتباع الشيوعية وأتباع الرأسمالية ، وحين انهار جدار (برلين) أدرك الألمان الشرقيون - الذين كانوا يُدلُّون بأنفسهم على أشياعهم من أبناء أوربا الشرقية- الفجوة الضخمة التي تفصلهم عق الألمان الغربيين ، فالدخل عند الغربيين عشرة أضعاف الدخل عند الشرقيين ، والهواتف عشرة أضعاف وأعداد السيارات مضاعفة وهكذا على هذه اللازمة ..
وفى اعتقادي أن الأحزاب الشيوعية انهارت بهذه الصورة ؛ لأنها عجزت عن بناء حضارة مناسبة للعصر تغني شعوبها عن تكفف الآخرين وتوجد الثقة بالأسس النظرية التي قامت عليها ، وأسباب أخرى من هذا القبيل لا نقصد هنا إلى تعدادها .
هل من معتبر ؟ 
كانت الأحزاب الشيوعية والحكومات التابعة لها بحاجة إلى نوعين من المراجعة : 
الأول : مراجعة أصول النظرية وقواعدها الأساسية والتي أثبتت السنين أنها خيالية ومتناقضة . الثاني : قياس آراء النظرية من خلال الواقع الذي أفرزته التجربة الطويلة ، لمعرفة مكامن الخلل ومواضع الداء في النظرية والتطبيق . ومع أن (برجنيف) كان يقول : إذا لم نستطع كشف الأخطاء قتلتنا ، فإن سدنة الأحزاب الشيوعية بدءاً بقائل هذه الحكمة لم يستطيعوا الكشف عن أي خطأ ذي شأن فضلاً عن القدرة على الإصلاح . وكان الشغل الشاغل هو التبرير والدفاع والثناء بالجملة على الوضع القائم .

وفى عالمنا الإسلامي اليوم الكثير الكثير من الأخطاء وأصناف القصور على المستويات كافة . ووجود الأخطاء أمر طبيعي ؛ ذلك لأن حركة الزمن تدع الكثير من الجديد بالياً ، وتوجب استمرار الاجتهاد والتكييف بين المبدأ والمصلحة ، وبين الوسائل والغايات ، وبين الأساليب والأهداف . وخلال عمليات التكييف هذه تحصل مفارقات تحسب للأمة تارة وعليها تارة أخر ى .
والأمة الحية اليقظة لا تكف أبداً عن عمليات المراجعة وقياس أداء المناهج والأساليب والأصول ، كما لا تمل من بحث المعوقات وطرح الحلول لها .
وإذا كان الآخرون يحتاجون إلى نوعين من المراجعة فإننا بحمد الله نسير في طريق لاحبة رسمها الأصفياء الأولون من رسل الله وأوليائه ، ومن ثم فإننا بحاجة إلى نوع واحد منها ، وهو التأكد من موافقة خطانا لروح الشريعة الغراء ونصوصها ومدى توفر الشروط النفسية والاجتماعية التي يجب توفرها في حياة خير أمة أخرجت للناس .
وتتشخص هذه المراجعة في المفردات التالية : 
1 - امتلاك الشجاعة الكافية للاعتراف بالأخطاء وأنواع التقصير في مسيرتنا الحياتية . 2 - التفريق الدقيق بين الأمراض وأعراضها حتى لا نعالج مظاهر المرض وأعراضه ونترك حقيقته ، فيكون العلاج مؤقتاً . 3- البحث في البنى التحتية لتلك الأخطاء للوقوف على عللها الأولى وأسبابها الحقيقية اهتداء بقوله تعالى : { قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الخَلْقَ } [العنكبوت : 20] 4- التغيير في برامجنا وأساليبنا بما يتناسب مع نتائج تلك المراجعات . 5- وضع صمام الأمان الذي يحول دون تكرار الوقوع في تلك الأخطاء . 6- غرس روح تحمل المسؤولية في أفراد الأمة والتربية على الشجاعة الأدبية الباعثة على محاصرة الخطأ والنقد البناء ، وتنمية روح المبادرة الفردية لديهم .
وإذا فعلنا هذا فإنا نكون قد ضمنّا استمرار الثقة بأصولنا الاعتقادية والفكرية ، وأوينا إلى ركن شديد يعصمنا من الأعاصير العاتية والانهيارات المدمرة .
وليس هذا على وارثة تراث الأنبياء والمكلفة بتبليغ الكلمة الأخيرة بعزيز .
ولله الأمر من قبل ومن بعد .

الجمعة، 1 مارس 2019

السنن الشرعية والكونية!

السنن الكونية والشرعية !

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
المقدمة
أيها الإخوة والأخوات: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وحياكم الله في هذه الدورة عن "السنن الإلهية"، وهو موضوع عظيم متعلق بالنفس والكون، والتفكر والاعتبار، تمس إليه حاجة المؤمن.
والله -عز وجل- له في خلقه شؤون، وله في هذا الكون نواميس، وفي البشر الذي خلقهم قوانين. هذا يبين العلاقة بين الإسلام وبين الواقع.
وقد شاء الله -سبحانه وتعالى- أن يجري سنناً جارية، وتكون هذه السنن للمسلمين قوانين يعرفون بها أفعال الله -تعالى- في خلقه، حتى إذا انتصر أجدادهم لا يأتي الأحفاد، فيقولون: كانت تلك خارقة؟ وإنما نُصر الأولون بسنة من سنن الله -عز وجل-، فإذا تكررت السنة جاءت النتائج وفقها، وإذا توافرت شروط النصر في هذه السنة جاء النصر.
والقرآن يرد المسلمين إلى سنن الله -تعالى- في هذا الكون، وفي هذه الحياة، ليعلم المسلم أن من وراء ما يرى حِكماً، وعادات لله -تعالى- في خلقه.
المقصود بالسنة وأهمية معرفتها
موضوع "السنن الإلهية" مرتبط بكلمة السنة، وهي الطريقة، أو القاعدة، أو السيرة، كما قال صاحب اللسان: "السنة، السيرة، حسنة كانت أو قبيحة" [لسان العرب، ابن منظور: 13/220].
وقد قال عليه الصلاة والسلام: من سن في الإسلام سنة حسنة ثم قال:ومن سن في الإسلام سنة سيئة [رواه مسلم: 2398].
والسنة في تعريف العلماء، يعتمد تعريفها على العلم الذي تورد فيه هذه الكلمة.
فالسنة في علم الحديث لها تعريف، وفي علم أصول الفقه له تعريف، وفي اللغة لها تعريف.
تعريف السنن الإلهية:
 وما نقصده في "السنن الإلهية" تعريفه: سنة الله -تعالى-: "طريقة حكمته" كما قال الراغب -رحمه الله- [انظر: التوقيف على مهمات التعاريف، ص: 415].
قال ربنا -تعالى-: سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [الفتح: 23].
وذكر شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-: أن السنة، هي: "الْعَادَةُ الَّتِي تَتَضَمَّنُ أَنْ يَفْعَلَ فِي الثَّانِي مِثْلَ مَا فَعَلَ بِنَظِيرِهِ الْأَوَّلِ" [مجموع الفتاوى: 13/20].
أهمية معرفة "السنن الإلهية":
 وقد أمر تعالى بالاعتبار، وقال: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ [يوسف: 111].
والاعتبار: أن يقرن الشيء بمثله، فكيف ستعتبر بوقوع شيء إذا لم يكن قد وقع على نظير أمر سابق، فتقيس هذا على ما حصل من قبل، فيحصل الاعتبار بشيء آخر لم تأت نتيجته بعد؟ ولكن القياس على ما سبق على وفق السنة والقانون، يخبرك بالنتيجة قبل وقوعها: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ [يوسف: 111].
فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ [الحشر: 2].
فمن فعل مثل فعلهم جوزي مثل جزائهم. وذلك تحذيراً وترغيباً.
ففي شأن المؤمنين من سار على وفق ما كانوا عليه -مثلاً- أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- في قاعدة النصر والتمكين، أو سنة النصر والتمكين، من سار على طريقتهم يحصل له النصر والتمكين؛ لأن هنالك سنة إلهية في هذا الأمر.
وكذلك الظالمين الكافرين المتمردين على شرع الله، هؤلاء الذين يفسدون في الأرض، لله فيهم سنة، فإذا سلكوا سبيل عاد وثمود، وقوم شعيب وقوم لوط، ونحو ذلك، فإن السنة ستنطبق عليهم، كما قال ربنا: دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا[محمد: 10].
ما معنى: أَمْثَالُهَا؟
يعني هناك سنة وقانون يجري، فسيحصل لهؤلاء المتأخرين الذين يسيرون على وفق ما كان عليه أسلافهم، سيحصل لهم النتيجة نفسها.
هذه أهمية معرفة "السنن الإلهية": أن تعرف المصير وفق ما سبق: قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ [آل عمران: 137].
يقول ابن القيم -رحمه الله- في قوله تعالى تعليقاً على الآية: سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا [الإسراء: 77].
وفي قوله عز وجل: سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [الفتح: 23].
قال: "فسنته سبحانه عادته المعلومة" [شفاء العليل، لابن القيم: 23/48].
إذاً، لله عادة مع الخلق.
والطبري -رحمه الله- لما علق على قوله عز وجل: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ[آل عمران: 137] قال: "قد مضت وسلفت مني" يعني من الله -عز وجل- "فيمن كان قبلكم يا معشر أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم-، وأهل الإيمان به" سواءً في الكافرين، مثل عاد وثمود، ونحو ذلك "من سُلاف الأمم قبلكم" [انظر: جامع البيان في تأويل القرآن: 7/228].
فلله فيهم مثلات، ولله فيهم سيرة، لله فيهم عادة، لله فيهم سنة، لله فيهم قانون، يجري عليهم، وعلى من جرى على مثل منوالهم.
فإذاً، أهل التكذيب، لله فيهم سنة في كل زمان ومكان، فإذا أنزلت بساحتي نقمتي، يعني الأولين فستنزل كذلك نقمتي بساحة الآخرين.
الشوكاني، قال: "والمراد بالسنن: ما سنّه الله في الأمم من وقائعه" [فتح القدير: 2/28].
فإذاً، طريقة الله في معاملة البشر، هي السنة.
هذه "السنة الإلهية" بناءً على سلوكهم وأفعالهم، وموقفهم من شرع الله وأنبيائه، ومجموعة القوانين التي يسير وفقها الكون من جهة أخرى، من ناحية تسخيرية، أيضاً هي سنن لله -تعالى- في السماء، وفي سنن له في الأرض، وفي سنن له في الكون، وفي سنن له في الناس، في الأفراد، وفي المجتمعات.
فإذاً، القانون الدائم الذي وضعه تعالى للكون والإنسان، وعادته المعلومة في أوليائه، وفي أعدائه، وطريقته المتبعة في معاملته للبشر، هي: "السنة الإلهية"، فلما نقول السُّنن إلهية مالمقصود بها؟ هذا.
السنن الإلهية في القرآن
القرآن مليء بذكر "السنن الإلهية" سواء كانت في الكون، أو في الأفراد، أو في المجتمعات.
ومادة "سنن" في القرآن الكريم وردت مفردة، ووردت جمعاً، ووردت بالإضافة، ووردت بلا إضافة.
فقد وردت ست عشرة مرة، في أحد عشر آية، في عشر سور.
جاءت بصيغة الجمع: مرتين، إحداهما: مضافة، والأخرى غير مضافة، فقال تعالى: سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [النساء: 26] يعني: طرق هؤلاء في اتباع ما جاءت به الرسل.
وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [النساء: 26] يعني: كيف اتبعوا الرسل، كيف آمنوا، كيف صدقوا، كيف جاهدوا، كيف نصحوا، قاموا بالأمر: وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [النساء: 26] من أنصار الرسل، من أعوان الرسل، يعلمكم كيف كان أنصار عيسى -مثلاً-، كيف كان المؤمنون بموسى، وهكذا..
الثاني: قوله عز وجل: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ [آل عمران: 137] يعني: وقائع لله -تعالى- أوقعها بالأمم.
أما صيغة الإفراد، وردت أربع عشرة مرة، كلها مضافة، أُضيفت تارة إلى الأولين، فقال: سُنَّةُ الأَوَّلِينِ أربع مرات.
وأُضيفت إلى لفظ الجلالة: سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ [الأحزاب: 38]في مرتين: سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ[غافر: 85]. سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ [الفتح: 23].
ووردت مضافة إلى لفظ الجلالة بصيغة: "سنة الله" وتدل على خاصية من خواص: "السنن الإلهية" في صيغ أربع على التوالي: فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا [فاطر: 43].
ووردت مضافة إلى ضمير الجلالة، تدل على خاصية من خصائص السنن: وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا [الإسراء: 77].
أنواع "السنن الإلهية؟"
ما هي أنواع "السنن الإلهية؟"
يمكن تقسيمها بعدة اعتبارات:
باعتبار أن هناك سنة خارقة، وسنة جارية.
يمكن أيضاً أن نفهم التقسيم بناءً على أن لله سنن خارقة، وسنن معتادة، جارية، عادية، لكنها قانون مطرد.
السنن الخارقة:
السنة الخارقة: التي يجريها الله -تعالى- على خلاف المألوف؛ مثل تحويل العصا إلى حية في يد موسى -عليه السلام-.
نبع الماء من الصخرة عندما ضرب موسى -عليه السلام- بعصاه الحجر، لما فلق البحر إلى اثني عشر طوداً عظيماً بتلك العصى.
كما شق القمر نصفين لنبينا -صلى الله عليه وسلم-.
كما حجب النار عن طبيعة الإحراق، كما في قصة إبراهيم -عليه السلام-.
كما حصل ليونس -عليه السلام- الذي عاش في بطن الحوت تحت طبقات الماء مدة من الزمن، ولم يمت، وهذا خلاف المعتاد.
فتكون هذه السنن الخارقة في بعضها من جنس الكرامات والمعجزات.
السنن الجارية:
 أما السنن الجارية -القسم الثاني-: فهي القوانين التي تحكم الدنيا، منتشرة في الكون، وفي الحياة.
وهناك سنن متعلقة بالأمور الكونية، وهناك سنن متعلقة بالأفراد، وسنن متعلقة بالمجتمعات.
في الكون، يعني سنن الله في الكون مثل ماذا؟
تعاقب الليل والنهار، هذه سنة مطردة.
الشمس والقمر، وفق ناموس محدد، قال تعالى: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [يس: 40].
في خلق الإنسان، قال: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [المؤمنون: 12 - 14].
هذه الأطوار التي يمر بها خلق الإنسان، سنة جارية.
بالنسبة للسنن المتعلقة بالأفراد، أو المجتمعات؛ من مثل نصره لأوليائه، وعذابه لأعدائه، واستدراجه للظالمين، وإملائه للطغاة الكافرين الجبارين، ثم أخذهم في النهاية.
هذه أمثلة.
خضوع البشر لهذه السنن ثابت ومطرد في تصرفاتهم وأفعالهم: سعادة وشقاءً، عزاً وذلاً، غنى وفقرا، قوة وضعفا، وهكذا..
ومن هذا الباب: صارت قصص المتقدمين بالنسبة لنا عبرة، ولولا القياس والاطراد والتكرار، لصار العالم كله مفاجئات! في أشياء جديدة! ما في شيء يشبه شيء، ولكن الله -عز وجل- جعل هذه الحوادث مكررة في كثير من الأحيان.
حكم مقولة: "التاريخ يعيد نفسه":
بعض الناس يقولون: "التاريخ يعيد نفسه".
والصحيح: أن يقال: التاريخ يعيده الله -عز وجل-، فالتاريخ لا يعيد نفسه، وإنما يعيده الله.
فالسنن تكرر؛ فمثلما حدث للأولين حدث للآخرين.
وسنتناول في سلسلتنا هذه -إن شاء الله- عدة سنن إلهية -مثلاً-: سنة النصر والتمكين، سنة الابتلاء والتمحيص، سنة المداولة، سنة الاستدراج، سنة المدافعة، سنة التغيير، سنة الاستخلاف، سنة الحفظ، سنة الإهلاك، ونحو ذلك.
الفرق بين السنن الإلهية في الكون والسنن الإلهية في الأفراد والمجتمعات
الفرق بين السنن الإلهية في الكون، والسنن الإلهية في النفس، أو في الأفراد  والمجتمعات.
أن السنن الكونية، تقع بطريقة القهر والتنجيز الآني، فتعاقب الليل والنهار لا يختلف إلى نهاية الدنيا، لكن سنن في -مثلاً- أفراد معينين، في ظالم معين، هذه سنن قهرية.
السنن  الكونية سنن قهرية، والسنن الإنسانية، فيها أخذ أُناس بسبب الظلم، أو البطر، وقد يكون في إملاء لهم.
فما الفرق بين تصرف فرعون وتصرف الشمس والقمر؟
تصرف الشمس والقمر يجري رغماً عنهما: أَتَيْنَا طَائِعِينَ [فصلت: 11].
فرعون لما يتصرف يتصرف باختيار، بإرادة، برغبة.
لكن مصير فرعون في النهاية هو مصير الفراعنة من قبله.
فالشمس والقمر، مسخرة ذليلة، هي تظهر، تختفي، وفق سنة إلهية، مقهورة، مربوبة لله.
ما يحدث في الأفراد، هو إرادة واختيار منهم، لكن المصير في النهاية يجري عليهم، تنطبق سنة الله فيهم رغماً عنهم.
السنن البشرية، مع اتسامها بالمرونة والاطراد، لا تختلف أيضاً من جهة النتيجة، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "وهذه السنن كلها سنن تتعلق بدينه، وأمره ونهيه، ووعده ووعيده، وليست هي السنن المتعلقة بأمور الطبيعة، كسنته في الشمس والقمر، والكواكب، وغير ذلك من العادات.
فإن هذه السنة -يعني السنن الكونية- ينقضها إذا شاء بما شاء، كما حبس الشمس على "يوشع" في فتح بيت المقدس، وكما شق القمر لمحمد -صلى الله عليه وسلم-، وكما أحيا الموتى لعيسى، وكما جعل العصا حية، وكما أنبع الماء من الصخرة، ومن أصابع محمد -صلى الله عليه وسلم-" [انظر: رسالة في لفظ السنة في القرآن، ص: 52].
فإذاً، هذه السنن التي في الكون، تنخرق إذا أراد.
السنن المتعلقة بوعده ووعيده، وأمره ونهيه، في الأفراد والمجتمعات، لا تتخلف.
الأولى ممكن تنخرق إذا أراد، وفي سنة ماضية ومطردة، وهذه مخلوقات مربوبة، فهي مسخرة بأمره، فإذا أراد الله أن تقف الشمس وتشرق من المغرب في آخر الزمان، أشرقت من المغرب.
لكن في سنة مطردة، وهي: أن الشمس تخرج من المشرق كل يوم، هذه سنة مطردة، والشمس مسخرة مربوبة، إذا أراد الله خرق هذه العادة الكونية، أو السنة الكونية انخرقت.
السنن التي في الأفراد، الأفراد لهم إرادة.
السنن في المجتمعات، في البلد، يعني الله لا يهلك: الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ [هود: 117]، لكن: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا * فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا [الطلاق: 9].
هذه متعلقة بإرادة هؤلاء، وعمل هؤلاء، وفي حرية لهم، حركتهم ما هي مثل حركة الشمس والقمر في السنن الكونية.
"السنن الإلهية" في الكون غير "السنن الإلهية" في الأفراد وفي المجتمعات.
الأفراد والمجتمعات، سنن الله فيهم متعلقة بأمره ونهيه، ووعده ووعيده، وما ابتلاهم به من الشرع الذي أنزله لينظر كيف يعملون.
سمات وخصائص السنن الإلهية
ثبات السنن الإلهية:
من خصائص "السنن الإلهية": أنها لا تتبدل ولا تتغير: فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا [فاطر: 43].
والله أضافها لنفسه، فهي قدر سابق.
فلو واحد قال: ما مزايا "السنن الإلهية"؟
نقول: هي قدر سابق: مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا [الأحزاب: 38].
فهو نافذ المفعول، لا يقف شيء في وجهه، مقدر بحكمة ووزن.
فهو سبحانه الذي شرعها وسنها، كلف بها الإنسان، وربط بها الجزاء، وبحسب الالتزام يكون الاستخلاف، وبحسب المخالفة يكون العذاب.
ثانياً: هذه السنن: ثابتة، لا تتحول ولا تتبدل.
إذاً -ذكرنا- أولاً: هي قدر مقدور من الله، مكتوب.
ثانيا: لا تتبدل ولا تتغير.
ماذا يعني لا تتبدل ولا تتغير؟
يعني مرتبطة بأسبابها وعللها، وجوداً وعدماً، فإذا وجدت الأسباب وجدت النتائج، تخلفت الأسباب تخلفت النتائج.
سنة النصر -مثلاً-: الله -عز وجل- له سنة مطردة في نصر أوليائه، في نصر المؤمنين، إذا فعلوا كيت .. وكيت .. وكيت.. إذا انطبقت شروط النصر جاء النصر، هذا قانون، هذه سنة إلهية.
نعم، هي متعلقة بأفعال البشر الاختيارية، هم يختاروا أن يحققوا شروط النصر أو لا يحققوا، إذا حققوا جاء، إذا ما حققوا تخلف.
هذه سنة ثابتة، لا تتبدل ولا تتغير.
الموضوع قائم على أن الله خالق الأسباب والمسببات، والقرآن مملوء من ترتيب الأحكام الكونية والشرعية، والثواب والعقاب على الأسباب، فيأتي ب"باء السببية" تارة، وب "اللام" تارة، وب"أن" تارة، و"كي" تارة، ويذكر الوصف المقتضى تارة، ويذكر صريح التعليل تارة، كقوله: ذلك بأنهم فعلوا كذا، وقالوا كذا.
يذكر الجزاء تارة، كقوله: وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ [الحشر: 17].
وقوله: وَذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ [المائدة: 85].
وقوله: وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ [سبأ: 17].
ويذكر المقتضي للحكم، والمانع منه، كقوله: وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ [الإسراء: 59].
وقد دل على ثبات السنن، آيات كثيرة، كقوله عز وجل: فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا [فاطر: 43].
ومن المعلوم: أن كلمة: "تبديلا" وكلمة: "تحويلا" نكرة، قال الناظم:
والنكرات في سياق النفي *** تعطي العموم أو سياق النهي
يعني: النكرة في سياق النفي، أو في "سياق النهي" تفيد العموم.
فأفادت عموم الثبات، وعدم التبدل: فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [فاطر: 43].
يعني لا يمكن أن يضع رحمة موضع عذاب، وعذاب موضع رحمة.
فلا يمكن أن يضع الرحمة للمكذبين، ولا يمكن أن يضع العذاب للمؤمنين، فما في تبديل ولا تحويل: فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [فاطر: 43]، لا تبديل له بغيره، فلا تبديل للثواب بالعقاب، أو العقاب بالثواب، ولا يتحول عن مستحقه إلى غيره، ولا يهدد الله المحسن، ولا يؤمن المسيء.
وقال عز وجل: وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [الفتح: 23].
يعني: "لن تجد يا محمد -صلى الله عليه وسلم-" كما قال الطبري في تفسيره: "لسنة الله في خلقه تغييراً" [جامع البيان في تأويل القرآن: 20/329].
بل ذلك دائم، للإحسان جزاءه الإحسان، وللإساءة والكفر العقوبة والنكال.
وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا [فاطر: 43].
"التحويل: نقل الشيء من مكان إلى غيره، مشتق من الحول، وهو الجانب. فلن تقع الكرامة في موقع العقاب، ولا يترك عقاب الجاني [انظر: التحرير والتنوير، الطاهر بن عاشور: 22/188].
ما فائدة هذا الثبات؟
اطمئنان النفوس.
فإذا واحد، يقول: أنا إذا آمنت بربي! واتبعت شرعه! سيحصل لي كذا وكذا؟ أنا أعرف النتيجة سلفاً! أنا مطمئن!.
إذاً، أنا داخل في طريق العبادة والطاعة، وأنا مطمئن على النتيجة!.
هذا يفيد الطائعين، يفيد المؤمنين.
كذلك: فيه موعظة لمن أراد الاتعاظ من المسيئين: أن النتيجة ترى أمامك في النهاية كذا وكذا! هذه نتيجة مطردة! ستقع ستقع! انتبه! اعتبر! اتعظ!.
إذاً، هذه السنن لها فائدة كبيرة، نفسية ودعوية، لها فائدة في اتخاذ القرارات، لها فائدة في اتخاذ المسلك.
كذلك الله -عز وجل- جعل الأمور مرتبطة بالأسباب، النتائج مرتبطة بالأسباب.
والالتفات إلى الأسباب نوعان: شرك، وعبودية.
ما هو الالتفات الشركي إلى الأسباب؟
الذي يعتمد على الأسباب، ويطمئن إليها، ويتكل عليها، هذا التفات شركي إلى الأسباب.
وما هو الالتفات الشرعي للأسباب؟
أداء حق العبودية فيها، إنزال الأسباب منازلها، لا تشغله الأسباب عن المسبب. يعني: الخالق للأسباب.
فالالتفات الشرعي للأسباب: أنك تأخذ بها، وتعتمد، وتتوكل على خالقها.
ما هو الالتفات الشرعي للأسباب؟
أن تأخذ بها، وتتوكل على خالقها.
أما أن تأخذ بها، وتتوكل عليها، هذا التفات شركي للأسباب.
فإذاً، ترك الأسباب بالكلية قدح في العقل، والحس، والفطرة، والشرع.
والاعتماد عليها بالكلية، قدح في الإيمان، والتوحيد، والدين.
إطراد السنن الإلهية
ثالثاً: تتسم السنن الإلهية بالاطراد، فلا تتخلف، فإذا تحقق شروطها، وانتفت موانعها، لا تمتنع عن العمل، بل تعمل، لا تمتنع عن الوقوع بل تقع، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "والرب -تبارك وتعالى- في الحقيقة لا ينقض عادته التي هي سنته، التي قال فيها: سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [الفتح: 23].
وقال: فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا [فاطر: 43].
لماذا؟
لأن حكمة الله تأبى التفريق بين المتماثلات، والتسوية بين المختلفات.
حكمة الله تأبى هذا، الله ما يسوي بين المختلفات، ويفرق بين المتماثلات.
ونتيجة لهذا الاطراد، صارت قصص الأولين عبرة، ولولا القياس، واطراد السنة الكونية الإلهية، ما كان للاعتبار معنى.
يعني: كيف سيقول لنا: اعتبروا بما فعلتُ بالأمم السابقة، إذا كان من سلك مسلكهم من الجدد لن يحدث لهم مما أصاب من قبلهم ممن هو مثلهم؟
فإذاً "السنن الإلهية" من فوائدها: الاعتبار، ولولا الاطراد في "السنن الإلهية" ما كان للأمر بالاعتبار معنى، كيف يقول لنا: اعتبروا إذا كان ممكن نفعل نفس الذي فعلوه، ويصير لنا شيء ثان.
عدم محاباة السنن الإلهية وسريانها على الجميع:
 رابعاً: تتسم "السنن الإلهية" بالعموم: بمعنى: أنه يسري على الجميع دون محاباة ولا تمييز، وليس بين الله وبين خلقه نسب.
يجري على الجميع، حتى أنبياء الله، وأعلى البشر قدراً، تسري عليهم سننه.
والدليل على هذا؟
قال تعالى: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا [النساء: 123].
لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ يا أيها المسلمون، يا أيها الصحابة: وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ.
ولذلك ابن كثير لما علق على الآية، قال: "الدين ليس بالتحلي ولا بالتمني، وليس كل من ادعى شيئاً حصلت له دعواه، وليس كل من قال: إنه هو المحق، سُمع قوله بمجرد ذلك... فليس لكم ولا لهم النجاة بمجرد التمني، بل العبرة بطاعة الله، واتباع ما شرعه، على ألسنة رسله الكرام، ولهذا قال بعده: مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ [النساء: 123]، كقوله: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه [الزلزلة: 7 - 8]. [انظر: تفسير القرآن العظيم: 2/417].
فإذاً، سنة الثواب والعقاب، ليست بالأماني، والله نحن يعني أمانينا! أُمنيتنا: أنه يأتينا النصر، إذاً سيأتينا، أو أننا سندخل الجنة، سندخل، ولن نمكث في النار أبداً، أو إلا أياماً معدودات.
ما هي بالأماني، وإنما هناك قانون: مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ [النساء: 123].
كانت اليهود والنصارى يقولون: نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [المائدة: 18].
يقولون: لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً [البقرة: 80].
كانوا يقولون، ولا زالوا يقولون: "نحن شعب الله المختار!".
وكانت بعض المسلمين تراود نفوسهم فكرة: أنهم هم الشعب المختار! -وليس اليهود-! فقيل: لا أنتم ولا هم: مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ [النساء: 123].
مما يستفاد من كون "السنة الإلهية" عامة: أنه أي مجتمع يخطئ وينحرف، ويعرض عن شرع الله -سبحانه وتعالى-، فسيقع له العقوبة، حتى الصحابة في أحد "أهل الإيمان" لما تنازعوا وفشلوا، ومنهم من يريد الدنيا، تبع بعضهم الغنائم، حلت بهم الهزيمة، ووقعت بهم المصيبة: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا [آل عمران: 165] سابقاً في بدر: قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران: 165].
تعلق "السنن الإلهية" المتعلقة بالبشر بكسبهم وعملهم ومواقفهم
"السنن الإلهية" في الأفراد والمجتمعات، مرتبطة بالكسب البشري، غير السنن التي في الكون -كما ذكرنا- في النجوم والكواكب -مثلاً-.
ولذلك ما ذكر الله أمة دمرها أو عاقبها إلا ذكر بجانب العقوبة والتدمير جريمتها وذنبها، فأخبر عن جريمة قوم نوح، وجريمة قوم صالح، وجريمة قوم هود، وجريمة قوم فرعون، قوم موسى، وهكذا..
فالله -عز وجل- يذكر السبب الذي بناءً عليه نزلت، أو صارت، أو مضت، سنته في المؤمنين أو الكافرين: أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ [غافر: 21].
قال تعالى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ [الروم: 41].
إذاً، ترتبط "السنن الإلهية" في البشر، بكسبهم وعملهم ومواقفهم.
إذا: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [الروم: 41] هذه العقوبة، وهي سنة إلهية، مرتبطة بماذا؟
بالكسب البشري، بدليل قوله: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم: 41].
كذلك لما قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد: 7]. فيبين لهم إذا فعلوا هذا سيفعل هذا، ولن يتخلف وعده سبحانه وتعالى.
حكم معرفة السنن الإلهية:
 العلم بهذا الموضوع -أيها الإخوة- من فروض الكفايات؛ لأنه جزء من الدين. أليست "السنن الإلهية" هذه من القرآن؟  وما حكم تعلم القرآن؟ تفاصيل القرآن هذه؟
فالسنن التي بينها الله -تعالى- في كتابه وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- جديرة بالتأمل، جديرة بالفهم، جديرة بالاعتبار، جديرة بالجمع، جديرة بالتحليل، جديرة بالفقه فيها.
الفرق بين استشراف المستقبل عند المسلمين وعند الكفار
هذه تفسر لنا ما يحدث في العالم، وأيضاً تساعد على استشراف المستقبل.
الآن يوجد في العالم علم اسمه: "استشراف المستقبل" وفي مراكز عالمية تقوم على استشراف المستقبل.
ما الفرق بين مراكز المسلمين، لو فرضنا: أنه في مركز إسلامي ل "استشراف المستقبل" وفي مركز علماني نصراني، يهودي: ل "استشراف المستقبل"؟
المركز الإسلامي لاستشراف المستقبل، يعتمد في الاستشراف على "السنن الإلهية" اعتماداً كبيراً. الاستشرافات الأخرى، ما عندهم إيمان بالقرآن، ولا ب "السنن الإلهية".
ولذلك استشرافهم للمستقبل فيه نقص كبير، استشرافنا للمستقبل فيه علم كثير.
هذا من الفروق.
وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل: 89].
فإذاً، مما يتعلق بأمور الدين: أحوال الأمم مع أنبيائها، وعادة الله فيهم، سنن الله جزء من معرفة الدين، وجزء من فهم القرآن، ولذلك يجب أن يكون في مجموع الأمة من يفقه موضوع السنن الإلهية؛ لأنه علم من القرآن، وعلم من الدين، ولا يجوز أن تجهل الأمة كلها هذا العلم.
فوائد فهم السنن الإلهية والعلم بها:
فلو قال واحد: ما هي أهمية فهم السنن الإلهية والعلم فيها؟
نقول: أشياء كثيرة منها هذا.
توضيح معاني الشريعة:
من أهمية العلم بالسنن الإلهية: توضيح معاني الشريعة، حتى يفحص الناس نفوسهم، يفحصون موافقهم، يفحصون أحوالهم: لماذا حل بنا هذا؟ لماذا نحن في تخلف؟ لماذا نحن في هزيمة؟ كيف نغير الوضع الذي نحن عليه؟ ما هي الأشياء التي إذا أخذنا بها سيتغير هذا الحال؟
كذلك: ما هي أسباب ما يحدث في العالم الآن من التغيرات؟ -مثلاً- اضطرابات مالية! أو كوارث مالية ضخمة! أمراض جنسية خطيرة وفتاكة! ثورات! وقلاقل! وفتن! وفي تغيرات! وفي إهلاك ظالمين! وفي أخذ طغاة! وفي إذلال جبارين!.
الآن يحدث إذلال جبارين!.
إذلال الجبارين والطغاة الآن هذه سنة إلهية تحدث! وممكن أن يراها الإنسان قبل حدوثها بزمن طويل، إذا كان عنده من نور الإيمان والقرآن سيراها، ويتوقعها قبل حدوثها، وينتظر حصولها.
إذاً، تفسر لنا الواقع، تساعدنا على استشراف المستقبل.
فهمها أصلاً من الدين، وفرض كفاية على الأمة.
تساعدنا على تغيير حالنا وواقعنا.
زيادة الإيمان:
وكذلك: زيادة الإيمان، بالاطلاع على حكمته تعالى؛ لأن موضوع "السنة الإلهية" مرتبط بالحكمة الإلهية: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر: 49]وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا [الفرقان: 2].
من فوائد فهم "السنن الإلهية": أن الإنسان يتعامل مع أشياء ذات مواصفات ثابتة.
الناس ترتاح لما يكون أمامها قانون ثابت! الموظف في الشركة يرتاح لما تكون بنود العمل وعقد العمل واضحة جداً في الإجازات! في الترقيات! في العقوبات! انتدابات! إلخ..
لما تكون بنود عقد العمل واضحة، الموظف في الشركة مسيرته غير!.
أنت يا مسلم، وأنت في هذه الدنيا، مسيرتك تختلف عند فهمك للسنن الإلهية، عما إذا لم تفقها! ولم تدر عنها شيئاً!.
عزة المؤمن واطمئنانه لتحقيق وعد الله
"السنن الإلهية" أيضاً: تُشعر المؤمن بالعزة، والاطمئنان إلى تحقيق وعد الله؛ لأن "السنن الإلهية" فيها أشياء، إذا حصل هذا سيحصل هذا.
نحن مسلمين؟ نصبر على ماذا؟ الآن في قتل وفي تشريد؟! وفي ابتلاءات؟! حتى متى؟! سنستمر إلى متى؟! هل في بارقة أمل؟! هل هناك نور في نهاية النفق؟!
يعني الواحد لما يقدم تضحيات، وعنده وعد من الله، غير لما يقدم تضحيات وما يدري!.
أصلاً تقديمه للتضحيات! استعداده للبذل! درجة صبره! ستختلف!.
وهذه مسألة مهمة جداً في قضية "السنن الإلهية": تُشعرك بالعزة، والأمان والاطمئنان، وتصبرك، وتجعلك تعطي المزيد، وتبذل وتضحي! وتقدم؛ لماذا؟
لأن عندك قانون، عندك سنة مطردة، عندك شيء واضح، أنت تسير عليه، في نهايات معينة ستأتي: فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا [فاطر: 43] هناك أشياء إذا حصلت هزم الله الكفار، ونصر المؤمنين.
المؤمن إذا تعلم "السنن الإلهية" وأتقنها، ومشى وفق قوانينها، سيكون له فوز ونجاة في الدنيا وفي الآخرة.
تجنب مواطن الخطأ التي وقعت فيها الأمم السابقة:
كذلك: تُجنبه مواطن الخطأ التي وقع فيها الآخرون الذين عاقبهم الله، حتى لا يصير له مثل ما حصل لهم، ولا تكون نهايته وخيمة كنهايتهم، ولا يكون شأنه إلى سفال ووبال كما حصل لهم.
ما في داعي نجرب ما وقع فيه الآخرون مرة أخرى! فنحن عرفنا أنه إذا فعلوا هذا جاءهم عذاب أو عقاب، فلماذا نفعل مثلهم؟
الاطلاع على عدل الله في خلقه:
من فوائد معرفة "السنن الإلهية": الاطلاع على عدل الله في خلقه:
أنت تشهد -عبد الله- ما في مجال للمحاباة، سنن الله ما تفرق بين شخص وآخر، ولا بين أمة وأخرى، عرب عجم، أسود أبيض، شرق شمال غرب، كلهم واحد.
اختصار طريق النصر والتمكين:
من فوائد معرفة "السنن الإلهية": اختصار الطريق:
اختصار الطريق إلى النصر، اختصار الطريق إلى التمكين، اختصار الطريق إلى العزة والكرامة.
الله -سبحانه وتعالى- له سنن من عرفها وصل إلى مراده بسرعة.
الاطمئنان إلى عظمة الشريعة
ومن فوائد معرفة "السنن الإلهية": أنها تُشيع في النفس الاطمئنان إلى عظمة الشريعة، وعظمة القرآن، خصوصاً لما ترى في الواقع الانطباق، فتزداد إيماناً، لما ترى الانطباق في الواقع تنتعش، لما الله يقول: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا [البقرة: 276] ثم ترى كوارث مالية.
لما يقول الله: فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة: 279].
الحرب حرب، ثم ترى الكوارث تقع، والاضطرابات تقع، نتيجة ماذا؟
التحليلات كلها: الربا!.
فما استطاعوا يسددوا سندات الخزينة.
الفوائد المركبة، الربا الذي حصل كان سبباً.
إذاً، هذا الكلام، أو هذا الواقع الذي تشهده أنت الآن؛ يعطيك مزيداً من الثقة في الشريعة، وفي نصوصها.
الأجر والثواب:
العلم ب "السنن الإلهية" فيه امتثال وفيه ثواب.
لو واحد قال: وماذا بالنسبة للأجر والحسنات؟
نقول: في ثواب.
فإن قال: من أين الثواب؟ -يعني: موضوع "السنن الإلهية" هذا إذا فهمناه، فمن أين سيأتينا الأجر؟-
نقول:
من قوله تعالى: قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ [النمل: 69].
قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [الأنعام: 11].
فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا [فاطر: 43].
فإذاً، الله الذي أمرنا بالنظر والتفكر والاعتبار.
إذا فهمنا "السنن الإلهية" سنأخذ أجراً على ذلك؛ لأننا امتثلنا، وأطعناه في أمره لنا بالتفكر والاعتبار.
ومن أعظم مجالات التفكر والاعتبار: السنن الإلهية، وانطباقها في الواقع: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ هذا أمر: فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [آل عمران: 137] هذا أمر.
وهذا الموضوع يغفل عنه كثير من الناس.
كثير من الناس عندهم في قضية الحلال والحرام اتباع -مثلاً-، عبادات معينة! مناسك الصلاة، الطهارة، الحج، الصيام، الزكاة.
وفي موضوع الاعتبار والتفكر في أمور كثيرة، ومنها: "السنن الإلهية" في تقصير.
ومنهم أصلاً من لا يعرف هذا الجانب أساساً.
ولذلك: فُرصة للتعرف على جانب من جوانب الدين أُهملت.
مضت في القرون من قبلنا أحداث وقائع في أيام لله! مثلات! أشياء خلت! فيها عبر! صارت بناءً على نواميس إلهية كونية! صارت بناءً على عادات لله في خلقه! صارت بناءً على طرائق لله في عباده! تأملوها! اختبروها! اعتبروها! جرت على الماضين ستجري على اللاحقين!.
كل موضع أمر الله -تعالى-، يقول ابن القيم في "إعلام الموقعين": "أمر الله -تعالى- فيه بالسير في الأرض سواء كان سيراً حسياً على الأقدام، أو السير المعنوي بالتفكر والاعتبار، أو كان اللفظ يعمهما، وهو الصواب" يقول ابن القيم: "فإنه يدل على الاعتبار والحذر أن يحل بالمخاطبين ما حل بأولئك" [إعلام الموقعين: 1/132].
تعريف اللاحقين بسبب إهلاك الله للمفسدين السابقين
معرفة سنن الله في الأمم السابقة، ديناً ودنيا، فيه تعريف اللاحقين كيف أهلك الله المفسدين بسبب فسادهم وظلمهم.
فأنت الآن لما ترى ما يفعله المجرمون، وما يفعله الطغاة، وما يفعله سفاكو الدماء، وما يفعله مغتصبو الأغراض، وما يفعله نُهاب الأموال، وما يفعله الشبيحة والنبيحة، وإلخ... لما ترى الآن ما يفعله هؤلاء في الواقع أنت ماذا؟
وإذا أردت أن تربط، وتدرس، وتتفكر، وتقيس، وتعتبر، وتقول يعني بناءً على ما حصل لمن هو في مثل حالهم، كانت النتيجة: أخذ الله!.
الآن يعني اعتداء صريح جداً جداً على توحيد الألوهية والربوبية، لما يقول هذا -مثلاً-: "لا إله إلا فلان" المخلوق!.
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ غيّروها! صارت: قل هو الله... ! خلاص المخلوق! غيّروها!.
لما ترى الآن الاعتداء على توحيد الألوهية والربوبية اعتداءً صارخاً واضحاً جداً! وجنود يأمرون الناس بالكفر الصريح! وأن ينطقوا الشهادة بناءً على أن الله فلان! ما معنى هذا؟!
تفكرها، قال الله عن فرعون: فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات: 24].
النتيجة: فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى [النازعات: 25].
عظة للسابقين واللاحقين، لازم يحدث هذا لفرعون الجديد كما حدث لفرعون السابق.
أليست هذه سنة إلهية؟ أليست ماضية؟ أليست هذه سنة مطردة؟ أليس القياس والاعتبار بمصير اللاحقين على السابقين يقتضي الأخذ؟
إذاً، الأخذ قادم لا محالة، ما في احتمال أنه هؤلاء ينجون بفعلهم، ويسلمون، ويُكملون مشوار حكمهم وطغيانهم، وإفسادهم في الأرض، وبدون نتائج فيها أخذ وإهلاك، وبطش وإذلال؛ ما يمكن؛ لأنه في سنة إلهية.
بعض الناس يقولون: تأخرت؟!
نقول: تأخرت عندي وعندك، نحن البشر: خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ [الأنبياء: 37].
وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [الحج: 47].
تأخرت عندي وعندك، لكن عند رب العالمين ما تأخرت.
تداخل السنن الإلهية وترابطها مع بعضها
ثم في سنة أخرى لازم تفهم -وهذا سنتطرق إليه -إن شاء الله-: تداخل السنن مع بعضها- سنة الأخذ، لكن في سنة الإمهال، فما يمكن أن نفهم سنة الأخذ، بدون سنة الإمهال، ما يمكن تعزل سنة أخذ الله للجبابرة والطغاة والظلمة، عن سنة الإمهال، ما يمكن تعزلها عن سنة الاستدراج، هو في مستوى معين من الطغيان والظلم إذا بلغوه سيأخذهم الله، ويقصم ظهورهم.
فماذا يحدث الآن؟
إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا [آل عمران: 178].
فإذا وصلوا الحد قصمهم الله، في قدر معين، وقدْر معين، ومستوى معين، وفي قدَر لا بد يأتي، فإذا وصل الأمر إلى القدْر المعين جاء القدر المعين.
لا نستطيع أن نفهم سنة الأخذ والإذلال، بدون سنة الإملاء والاستدراج.
بعض حِكم إمهال الله للظالمين:
والتأخير فيه حِكم:
الله يصطفي شهداء.
يتبين للناس فناء الدنيا وحقارتها.
يُخرج الله من الناس حب الدنيا، ويصيروا مضطهدين، في فقر، في شدة، يزدادون إلحاحاً، ودعاءً واقتراباً من ربهم، وعبودية.
وأحياناً -تلاحظ-: أنه كلما ازداد المجرم إجراماً، ربما يزاد له في الإمهال، حتى يأتي وعد الله بالأخذ: وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا [الإسراء: 17].
فلا تستعجلوا! الحضارة الغربية، أو الحضارة الشرقية، أو غيرها، كلها الدور عليها آتٍ: وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا [الإسراء: 58].
ما يبقى أحد، لا بد من الاعتبار بمصائر الأمم الغابرة.
يتشابه الكفار وأعداء الله عبر السنين، لما فُتحت قُبرص، وفُرق بين أهلها، بكى بعضهم إلى بعض، فرأيت أبا الدرداء جالساً وحده يبكي، يقول جُبير بن نُفير، فقلت: يا أبا الدرداء ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ قال: "ويحك يا جُبير ما أهون الخلق على الله إذا أضاعوا أمره، بينما هي أمة قاهرة ظاهرة، لهم الملك، حتى تركوا أمر الله، فصاروا إلى ما ترى" [سنن سعيد بن منصور: 2/248].
عدم التسويف في التوبة

سنن الله -تعالى- تعلمنا: عدم تسويف التوبة، وتأخير العودة إلى الله: فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ [غافر: 85].
فإذاً، لماذا نؤخر التوبة؟ ونؤخر العودة إلى الله؟ ونؤخر الإيمان؟ إذا كان لو حصل القدر وجاء العذاب، ما ينفع الندم، ولا تنفع التوبة؟.

https://almunajjid.com/5308

الاستهلال

نبذة عن العلمانية د. إسماعيل محمد حنفي أولاً: مفهوم العلمانية(1): العلمانية في الحقيقة تعني إبعاد الدين عن الحياة أو فصل الدِّين عن ا...

المشاركات الأكثر مشاهدة