أول إطلالة علمية بإذن الله في ركن مكتبة المدونة... "الموسوعة الفقهية " الصادرة عن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الكويتية وفيها 45 مجلدا وهو بصيغة pdf أو ملف مضغوط وفيه من الخير الشيء الكثير للباحثين وطلبة العلم... زوروا الموقع
بحث هذه المدونة الإلكترونية
الثلاثاء، 26 فبراير 2019
الجمعة، 15 فبراير 2019
من أعلام الشافعية في الأندلس : الأمير الفقيه الذبيح عبد الله ابن الناصر د/ محمد حاج عيسى - الجزائر العاصمة.
من أعلام الشافعية في الأندلس : الأمير الفقيه الذبيح عبد الله ابن الناصر
د/ محمد حاج عيسى - الجزائر العاصمة.
من أعلام الشافعية في الأندلس الأمير أبو محمد عبد الله ابن الخليفة عبد الرحمن بن محمد بن الحكم المعروف بالناصر أبي المطرف، ثامن خلفاء بني أمية في الأندلس
قال عنه ابن حزم في الجمهرة: كان شاعراً، فقيهاً على مذهب الشافعي"، وعنه في الجذوة أنه: كان فقيهاً شافعياً شاعراً إخبارياً متنسكاً، وحلاه بهذه الأوصاف ابن السبكي في طبقات الشافعية (3/ 309).وقال ابن الابار في التكملة (3/11 ط بشار):" وَكَانَ فَقِيها شافعيًا إخباريًا متنسكًا بَصيرًا بِلِسَان الْعَرَب رفيع الطَّبَقَة فِي الْأَدَب ومعرفته ضَارِبًا بأوفر سهم فِي اللُّغَة ذَاكِرًا للْخَبَر مطبوعًا فِي صوغ القريض وتصنيف كتب الْأَدَب". ووصفه ابن عذاري بالعلم والذكاء والنبل .
أخذ العلم عنْ مُحَمَّد بْن مُعَاوِيَة الْقُرَشِيّ وَالْحسن بْن سعد وَعبد اللَّه بْن يُونُس وقاسم بن أصبغ ومسلمة بن قَاسم وَمُحَمّد بن عبد الْملك بن أَيمن وَمُحَمّد بْن مُحَمَّد بْن عَبْد السَّلام الْخُشَنِي وَأحمد بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الْبر وَأحمد بن مُحَمَّد بْن قَاسم وَغَيرهم..كما في التكملة
من مؤلفاته "كتاب العليل والقتيل فِي أَخْبَار بني الْعَبَّاس" يقع في عدة مجلدات وصل فيه إِلَى خلَافَة الراضي ابْن المقتدر، ومنها "المسكتة" فِي فَضَائِل بَقِي بْن مخلد يقع في ستة أجزاء حدث به عنه مسلمة بن قاسم ..ومؤلفاته شاهدة بحسن فهمه وسعة علمه وشرف ذاته وكمال ادواته كما قال ابن الأبار ..ومما نقل عنه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله رده لما رواه مُحَمَّد بْن وضاح عن يحيى بن معين أنه قال الشافعي ليس بثقة، وقد ذكر عبد الله ابن الناصر أَنَّهُ رأى أصل ابْن وضاح الَّذِي كتبه بالمشرق وَفِيه سَأَلت يَحيى بْن معِين عنْ الشَّافعيّ فَقَالَ هو ثِقَة .
وكان عبد الله محبا للعلم مكثرا من مجالسة العلماء ومقربا لهم، وكان العلم هو شغله الشاغل ، كما كان آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، ينكر على الأمراء وغيرهم وذكر ابن حزم أنه كان ينكر على والده سوء سيرته وجوره، ولا شك أن من كانت هذه حاله يكون محبوبا لدى العامة مفضلا على غيره .
وكان لعبد الله أحد عشر أخا أكبرهم هو الحكم الملقب بالمستنصر وكان ولي عهد والده وكان مشتغلا بالعلم هو الآخر وذكر ابن حيان أنه كانت بينهما منافسة في طلب العلم وجمعه وإدناء أهله وكان الحكم مالكيا في الفقه ، وقد نقل عنه ابن حزم أنه أنشأ في خلافته مكتبة عرفت بخزانة العلوم، كان عدد الفهارس التي تحوي تسمية الكتب أربع وأربعون فهرسةً، في كل فهرسة خمسون ورقة ..ومن إخوته عبد العزيز الذي قيل إنه كان حنفيا فكان من العجائب أن يكون في بيت واحد ثلاثة مذاهب، وكان عبد العزيز هذا من أهل اللهو ولم يترك شرب الخمر إلا بعد تشديد النكير عليه من أخيه عبد الله.
ثم إنه في سنة 338 وقعت بلية لهذا الأمير الفقيه حيث وثب عليه العساكر وتم اعتقاله مع فقهين كان معه في بيته أحدهما الفقيه المحدث المؤرخ أحمد بن محمد ابن عبد البر ، وذلك بتهمة تدبير انقلاب على المالك الناصر وأخيه المستنصر ..وقد اختلف في حقيقة الواقعة فأما ابن حزم فجعل انكاره لسيرة والده وجوره هو سبب الاعتقال.وقال الضبي:" قتله أبوه بسبب متابعة أكثر الناس له لأدبه وفضله"..وأشار ابن حيان إلى أن ذلك كان نتيجة وشاية وسعي من حاسدين منافسين له وحدد ابن عذاري الواشي بأنه أخوه الحكم ..
وأما ابن الأبار فجعل سبب قتله منافسته لأخيه الحكم في ولاية العهد ثم قال:"فسعي إِلَى الْخَلِيفَة النَّاصِر لدين الله بِابْنِهِ عبد الله هَذَا وَرفع عَلَيْهِ أَنه يُرِيد خلعه... وَأَن جماعات من طَبَقَات النَّاس دخلُوا فِي ذَلِك مَعَه وَأَنَّهُمْ على أَن يثوروا بِهِ فِي يَوْم عيد قد اقْترب.. فَأرْسل النَّاصِر فِي اللَّيْل بِمن قبض على وَلَده عبد الله وحبسه فَألْفى عِنْده فِي تِلْكَ اللَّيْلَة الْفَقِيه أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الْبر وفقيهاً آخر من أَصْحَابه يعرف بِصَاحِب الوردة وَهُوَ أَحْمد بن عبد الله بن الْعَطَّار، كَانَا بائنين عِنْده فأخذا وحملا إِلَى الزهراء حَضْرَة أَمِير الْمُؤمنِينَ النَّاصِر بِأَسْفَل قرطبة، فَأمر بسجنهما وَعرّف الوزراء بِخَبَر وَلَده عبد الله وكشف لَهُم عَظِيم مَا أَرَادَ أَن يحدثه عَلَيْهِ وعَلى الْمُسلمين فِيهِ وتبرأ مِنْهُ، وأعلمهم بمسارعته إِلَى الْقَبْض عَلَيْهِ ووجدان رسله هذَيْن الفقيهين بائتين عِنْده، وَقَالَ لَهُم مَا أعجب إِلَّا من مَكَان ابْن الْعَطَّار عِنْده مَا الَّذِي أدخلهُ فِي هَذَا مَعَ غباوته وَقلة شَره، وَأما ابْن عبد الْبر فَأَنا أعلم أَنه الَّذِي زين لهَذَا الْعَاق ذَلِك ليَكُون قَاضِي الْجَمَاعَة ".. واعتمد هذا الرأي الصفدي وابن السبكي فقالا إن نفسه سمت إِلَى طلب الْخلَافَة في حَيَاة أَبِيه وأنه بيّت مع أتباعه اغتيال وَالِده وأخيه الْمُسْتَنْصر فكشف أمره، فكان سبب ذلك محنته ونهايته.. وهو معنى ما نقله صاحب المغرب في حلى المغرب أيضا..لكن هذا لا يتفق مع ما وصف به الأمير من علم وعقل وزهد وتنسك والله أعلم بحقيقة الحال.
وقد لبث في السجن ما يقارب السنة -وعلى قول أكثر من سنة -فأما الفقيه ابن عبد البر فتوفي في رمضان 338، وأما الأمير عبد الله وبقية من سجن معه فصدر في حقهم الحكم بالقتل (الاعدام) لاقتراف جريمة الخيانة العظمى ، وتقرر تنفيذ الحكم في اليوم الثاني من عيد الأضحى سنة 338، وقد تولى تنفيذ الحكم في حق عبد الله الملك الناصر بيديه الذي قَالَ لخواصه يومها :"هَذِه أضحيتى فى هَذَا الْعِيد"، ثمَّ أضجع لَهُ وَلَده وذبحه بِيَدِهِ.. وَقَالَ لأتباعه ليذبح كل أضحيته، فاقتسموا أَصْحَاب وَلَده عبد الله وذبحوهم عَن آخِرهم. وقيل إنما وقع تنفيذ الحكم في آخر سنة 339.. رحمه الله رحمة واسعة..واستمر حكم الناصر الى هلاكه سنة 350 وخلفه ولده المستنصر..
الخميس، 14 فبراير 2019
لماذا الحداثيون يهاجمون السنة وعلى رأسها صحيح البخاري ؟؟
السنة وعلى رأسها صحيح البخارى .....
قال لي صديقي : متى وُلد البخاري؟
فقلتُ: ١٩٤ هـ .
فقال: ومتى توفى النبي؟
فقلتُ: ١١ هـ .
فقال: أيعقل أن يأتي البخاري بعد كل هذه الفترة ويجمع السنة ؟
فقلتُ: أتعرف القارئ " مشاري العفاسي" ؟!
فقال: وما علاقته بالبخاري؟
قلتُ: فقط أجب .
قال: نعم أعرفه و أسمع له .
قلتُ: متى آخر مرة سمعت له؟
قال: منذ أيام .
قلت: يعني في سنة ٢٠١٨ التي توافق عام ١٤٣٩ هجري ؟
قال: نعم
قلت: أتدري أن مشاري العفاسي حصل على إجازة في القرآن الكريم تلقاها عن شيخه , وشيخه تلقاها عن شيخه, وشيخه تلقاها عن شيخه إلى أن وصل للنبي؟
قال: نعم .
فسألته: تتوقع كم عدد سلسلة الأشخاص التي تلقى عنهم مشاري العفاسي للقرآن الكريم إلى أن وصل للنبي؟ يعني تتوقع كم شخص بين مشاري و النبي ؟
فقال: أكيد عدد كبير قد يصل إلى الالاف .
فقلت له: هل تصدقني إن قلت لك برغم اننا في عام ٢٠١٨ الموافق ١٤٣٨ هجري تجد أن الفرق بين مشاري العفاسي والنبي هم ( ٢٩ ) شخص فقط؟ نعم , يعني مشاري تلقى عن شخص ثم عن شخص ثم عن شخص إلى أن وصل للنبي, ومجموع هؤلاء الأشخاص ما بين مشاري والنبي هم ( ٢٩ ) شخص فقط .
فقال : كيف ؟
فقلت: إن قسمت عدد سنوات الهجرة ٢٩ على ١٤٣٩ شخص = ٥٠ سنة , يعني إذا كان متوسط عمر الشخص ٥٠ سنة , ستغطي هذه الفترة التي تراها كبيرة , فما بالك بالبخاري والذي بدأ بدراسة الحديث في ٢٠٤ هجريًا؟
فقال: ولكن هذه المدة ليست قليلة .
فقلتُ: هل تعلم أن هناك أحاديث في صحيح البخاري نقلها عن النبي والفرق بين البخاري و النبي ٣ أشخاص فقط؟ وبالتالي الفرق بين البخاري والصحابة عدد ٢ شخص فقط !! وهي ما تُعرف بـ " ثلاثيات البخاري ". فما بالك بمن هم قبل البخاري؟
فقال: وهل هناك من كتب قبل البخاري؟
فقلتُ: هذا ما يريدون أن يقنعوك به, أن البخاري أول من كتب و جمع , فهل تعلم أن هناك ما يقرب من (٢٥) مؤلف حديثي قبل البخاري ! من كتبهم ( همام بن منبه , إبن جريج , معمر بن راشد , إبن أبي عروبة , سفيان الثوري , الليث بن سعد , مالك بن أنس صاحب موطأ مالك ألخ ألخ ألخ ) !
فقال: ولماذا كل هذا الضجيج حول البخاري وحده !
قلتُ: لأن البخاري جمع واشترط الصحة فيما جمعه , ولو شككوا فيما جمعه سيسهل عليهم التشكيك في غيره ممن لم يشترط الصحة .
فقال: ولكن المشكلة ليست في السنة بل فيما جمعه البخاري .
فقلت: ولماذا عندما يريدون أن يطعنوا في أي حديث يأتوا به من البخاري ولا يأتوا به ممن سبقوه أو عاصروه أو ممن أتوا بعده ؟ فمشكلتهم في السنة ويطعنون بها من خلال الطعن فيما جمعه البخاري, لأن البخاري جمع السنة ولم يخترع من عند نفسه ! أترى إن قلت لك أنفك لا تعجبني , ستُجيبني: أتعيب على الخالق؟ كذلك إن طعنت فيما جمعه البخاري فأنت تطعن في السنة ولا تطعن في البخاري .
فقال: ولماذا التمسك بالأحاديث التي يُثار حولها شبهات !
فقلت: إذا جعلنا هذا مبدأ, فلماذا لا نحذف بعض آيات القرآن الكريم التي تثار حولها شبهات وافتراءات؟
فقال: لا , لأن القرآن ثابت في نقله عن النبي .
فقلت : إذًا العبرة بثبوت الخبر , فإن صح عن النبي قبلناه , وكما يسألك شخص عن آية قرآنية أشتبهت عليه بعض معانيها فتسعى جاهدًا لإزالة الشبهات , فلماذا لا تفعل ذلك مع السنة ؟
فقال: وما الهدف من التشكيك في السنة والتمسك بالقرآن وحده ؟
فقلت: هذا ما يسعون إليه, يريدون أن يقنعوك أن تكتفي بالقرآن وحده, ولكن كيف ستفهمه؟ ربما كل شخص يفهم على هواه وبالتالي كل شخص سيعبد هواه ولن يتبقى لك من الإسلام شئ . فكيف ستفهم هذه الآية (الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ) فهل كل من يلبس إيمانه بظلم لن يدخل الجنة ! فمن سيدخلها إذًا؟ وكيف تلوم على من يُكَّفر الناس إذا فعلوا الكبائر؟ إذًا هناك معنى آخر للظلم أوضحه الرسول عليه الصلاة والسلام ( لَمَّا نَزَلَتْ "الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ" شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَالُوا أَيُّنَا لاَ يَظْلِمُ نَفْسَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم « لَيْسَ هُوَ كَمَا تَظُنُّونَ إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ (يَا بُنَىَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ- صحيح مسلم وغيره ) فالظلم في الآية يعني الشرك،صدقني , السنة حصن آمان لمن أراد أن يفهم ويؤمن بالقرآن .
فهناك عشرات الآيات لم ولن تستطيع فهمها بدون السنة , فكيف تأخذ القرآن من النبي وترفض شرحه وتبيانه لما أُنزل إليه ؟ وهل النبي لم يتكلم إلا بالقرآن وبقى صامت طيلة حياته؟ هل فهم الصحابة القرآن دون أن يسألوا النبي عن الدين الجديد الذي سيؤمنون به ! أين عقلك ؟ ..
و لا تنس الصلاة على النبي (صلى الله عليه وسلم).
منقول من صفحة trainer mohamed fouad
الأربعاء، 13 فبراير 2019
تشدُّد الحنابِلة... الأسباب و الحقائق ::: الأستاذ محمد مختار الأخضر الطيباوي
تشدُّد
الحنابِلة... الأسباب و الحقائق
قال ابْنُ
شُبْرُمَةَ:
"مَن بَالغَ فِي الخُصومَةِ أَثِمَ، وَمَنْ
قَصَّرَ فِيْهَا خصمَ، وَلاَ يُطِيْقُ الحَقَّ مَنْ بَالَى عَلَى مَنْ دَارَ الأَمْرَ."
سير أعلام النبلاء،6/348
الحمد لله وحده، و الصلاة و السلام على من لا نبيَّ بعده
من قديم الزمان دارت
الخلافات بين أهل السُّنَّة في المسائل التي اختلفوا حولها و دخلها التبديع بين ميل بعضهم إلى التشدُّد والاحتياط، و ميل بعضهم الآخر إلى التدقيق و التحقيق، وتلك
جبلة العقول منذ كان الاختلاف.
ونحن اليوم سجناء منهجين
داخل منهج واحد، منهج المكتفين بالشيء كما هو، منهج الاحتياط و سدِّ الذريعة حتى
مع أقوال العلماء و مواقفهم، يرفض أن يبحثها و يصفها وصفا صادقا مطابقاً، ومنهج
الباحثين أوَّلا عن فهم الحقِّ في حدِّ ذاته و نفسه بعيداً عن تحايل الناس، و
مقاصدهم و أغراضهم، ثم بعد ذلك عن الاحتياط إن لزم حالٌ.
يفيض معجم بعض السلفيين
تحقيقا أو انتساباً بعبارات لها دلالات خاصة عندهم، لا يشاركهم فيها غيرهم، لا أهل
العربية، و لا العلماء، و لا عموم الناس، يتصرَّفون في دلالة العبارة بدون أية
مرجعية أو قيد ، متحرِّرين من كل القيود العلمية و السُّلوكية إلا قيد العدوان
عصبيَّةً ، فيعدُّون مثلا وصف الحال في
سياق واضح طعناً متاجرةً بمشاعر الأبرياء.
وهكذا اعتبر بعضهم وصفي
للإمام أحمد بالتشدُّد طعناً فيه، مع أنه جاء في سياق واضح قد أوثقتُه بالقيود من
كل جهة .
وهذه عاداتهم يحبُّون
تعميم الخاص، و عندهم ميل عجيب لذلك كأنما تستهويهم الأحكام العامة أو يجدون فيه
لذة، أو يُسبب لهم التخصيص و الاستثناء حساسية، أو تعجز عقولهم عن تصوُّره، فالشيء
إما أبيض و إما أسود، أما الرمادي فعند المبتدعة؟
فمع أني حدَّدت أسماء الذين بالغ في حقهم الإمام أحمد أو تشدَّد، و
سنناقشهم فيهم تفصيلا وجعلتهم استثناءً، و
بيَّنتُ أن منهجه يقوم على الورع ، و كلمة "ورع" تعني: الاحتياط ،ووصفته
بأنه أكثر الأئمة عدلا في المقال، و إنصافاً و تقوى وزهداً، لا يضاهيه عندي في هذا إلا
البخاري، يأبى هؤلاء إلا أن يعدُّوا ذلك طعناً ، ليثبتوا له العصمة
انتصاراً لمذهبهم، فيجعلون إمامته في العقائد بحقٍّ غطاءً لسلوكيات سلبية لصقت
بمذهبهم، و ليذمُّوا الناس بما ليس فيهم على عاداتهم في الغلو و التطرُّف و إيذاء
المخالف، ولو كان من أبناء مذهبهم، منكرين
الحقَّ الأبلج.
.... وما كان من عبارات
خارجة عن الموضوع العلمي فإني أعرض عنها لأن مناقشتها ليست من دأب المحصِّلين،
وأرجو من الله أن يمنَّ علينا ببعض ما منَّ به عليهم.
قد يكون الطعن في كلام
الغير أو في موقفه لإظهار الخلل فيه من غير أن يقترن به غرض كتحقيره أو انتقاصه،وعلى
هذا فكل رد علمي هو ـ في الحقيقة ـ طعن في دليل علمي آخر،وعليه وجب علينا أن نفرِّق
بين من يريد الطعن بقصد العدوان فإن ذلك سقوطا في الهمَّة ودناءة في القيمة،وبين من
يريد الاستفهام و التحقيق و ذلك طريق أهل العدل و الإنصاف.
لست ممن يجيز لنفسه الطعن في آحاد الناس فضلا عن الأئمة العظام، فلا يرضى
الشريف أن تكون نهاية علمه الطعن على
الناس، إنما هو وصف الحال كما انتهى إلى
معرفتي، وحبًّا في الإنصاف، ولا أظن أن الوصف بالتشدُّد منقصة إلا في سياق خاصٍّ و
سأوضِّحه.
ولو كنت أنافس أهل هذا الزمن على طبائعهم
لا ما ألزمت نفسي بالصراحة، وهي مضرَّة في العاجلة كثيراً ، و لا ما نصرتُ
من ليس لي به أية رابطة ، و أكثرهم في موقع ضعفٍ،
غرضي خلف قومٍ ليسوا من زمانكم .
المقصود من
التشدُّد:
تعنى كلمة (تشدَّد)
فِي الْأَمر: بَالغ فِيهِ وَلم يُخَفف، ويقال: شاده مشادة، كما في الحديث: (لن يشاد الدّين أحد إِلَّا غَلبه)، المعجم الوسيط، 1/475.
و تستعمل في
الضدين، فنقول: بالغ في الذم، يعني: تشدَّد في التغليظ، و زاد عن الحد، و بالغ في
المدح، يعني: زاد عن الحد المطلوب أو المعقول.
وقد يكون التشدُّد مبرَّراً
كتشدُّد الشريعة في بعض المسائل حتى لا يداخلها الحرام، أو حفاظا على حقِّ أحد
الطرفين، كتشدُّدها في نصاب شهود الزنا، فنجد الفقهاء المتقدِّمين و المتأخِّرين
يقولون: شدَّدت الشريعة في هذا، لأجل كذا، وهذا قد ملئت به كتب العلم.
وقد شدَّد الله على من
سبقنا كاليهود في النجاسات، حتى لا يؤاكلوا
الحائض ولا يجامعوها في البيوت، وحرِّمت عليهم طيِّبات
، وهذا التشدُّد يكون عقوبة لهم، وكما قال ابن تيمية : " التشديدُ في النجاسات جنساً
وقدرا هو دين اليهود".
وقد يكون مذموماً منهيا عنه كتشدُّد الخوارج و تشدُّد الذي ينقطع في العبادة، كما جاء في
الحديث:(إِنَّ هَذَا
الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا
وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَيَسِّرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ
وَالرَّوْحَةِ، وَشَيْءٍ مِنَ الدَّلْجَةِ)،
صحيح البخاري،1/16 رقم:39
وقوله : ("هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ" قَالَهَا ثَلَاثًاوهم المتعمقون المتشددون)، صحيح مسلم،4/2055 ، يعني: التشدُّد في غير موضعه.
و كتشدُّد بعض الفقهاء
على الناس حتى يبلغ درجة التحريم، كمن زعم وجود أيمان لا كفارة لها، فيمنع
المسلمين من أداء الواجب و فعل المباح بسبب تشديده.
وقد يكون تشديد الفقيه
أو المفتي مطلوباً بحسب المصلحة، وقد يكون متجاوزاً للحدِّ حيث ينافي روح الشريعة
و سماحتها، كما قال الجويني ـ رحمه الله ـ : " لا
يستريب محصِّل في حيده عن سمت الشريعة " فسمت الشريعة: روح الشريعة لا يقبل
هذا التشدّد. "نهاية المطلب"،1/257
ولنفهم أن المقصود من
التشدُّد في مثل هذه المواضع: "المبالغة"، و لا يطلقها العلماء موافقة
أو مدحاً بل تصريحاً بمخالفتها، ننظر في بعض الأمثلة:
1 ـ قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ : ( وَالْإِمَامُ أَحْمَد مُوَافِقٌ
لِمَالِكٍ فِي ذَلِكَ فِي الْأَغْلَبِ؛ فَإِنَّهُمَا يُحَرِّمَانِ الرِّبَا وَيُشَدِّدَانِ
فِيهِ حَقَّ التَّشْدِيدِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ شِدَّةِ تَحْرِيمِهِ وَعِظَمِ
مَفْسَدَتِهِ وَيَمْنَعَانِ الِاحْتِيَالَ عَلَيْهِ بِكُلِّ طَرِيقٍ حَتَّى
يَمْنَعَا الذَّرِيعَةَ الْمُفْضِيَةَ إلَيْهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ حِيلَةً وَإِنْ
كَانَ مَالِكٌ يُبَالِغُ فِي سَدِّ الذَّرَائِعِ مَا لَا يَخْتَلِفُ قَوْلُ
أَحْمَد فِيهِ؛ أَوْ لَا يَقُولُهُ؛ لَكِنَّهُ يُوَافِقُهُ بِلَا خِلَافٍ عَنْهُ عَلَى
مَنْعِ الْحِيَلِ كُلِّهَا)." المجموع"،29/27.
لقد وصفهما بالتشدُّد في هذا الأمر، ثم وصف مالكا بالزيادة في التشدُّد،
فقوله عنه:" و إن كان مالك يبالغ في سدِّ الذرائع " يعني: يتشدَّد فيها،
مما معناه الزيادة عن الحاجة أو عن الحدِّ المطلوب.
و أكثر ما يستعمل هذا اللفظ في معنى المبالغة، يعني: الزيادة عن الحدِّ أو
عن الحاجة ،وفي هذا المعنى استعملته في
كلامي، و استعمله الذهبي في وصف موقف الإمام أحمد من اللفظية، يعني: من الكرابيسي ومن وافقه، كما
ستراه لاحقا.
وجاء في ( الإخنائية ) ردًّا لمذهب الشافعي في إيجابه الصلاة على النَّبيِّ صلى الله عليه
و سلم بعد التَّشهُّد الأخير التالي: ( وقد بالغ القاضي عياض في تضعيف قول الشافعي بإيجابها
في الصلاة ،وقال: حكى الإمام أبو جعفر الطبري والطحاوي وغيرهما إجماع جميع المتقدِّمين
والمتأخِّرين من علماء الأمة على أن الصلاة على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في
التشهُّد غير واجبة.
قال: وشذَّ
الشافعي في ذلك فقال: "من لم يصل على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بعد التشهُّد
الأخير وقبل السلام فصلاته فاسدة، وإن صلى عليه قبل ذلك لم يجزه".
قال: ولا
سلف له في هذا القول، ولا سنَّة يتبعها، قال: وقد بالغ في
إنكار هذه المسألة عليه بمخالفته فيها من تقدَّمه جماعة، وشنَّعوا عليه الخلاف
الحاصل فيها، منهم الطبري والقشيري وغير واحد)،" الإخنائية"، 1/216.
قلتُ: فهذا
القاضي عياض يصف الشافعي بالتشدُّد في هذه القضية فلا معنى لقوله :
"بالغ" إلا تشدَّد،و أنه "شذَّ ، ولا سلف له، ولم يتبع السُّنَّة، و
شنَّعوا عليه" ، فالشافعي تشدَّد في قوله، و القاضي عياض تشدَّد في ردِّه
عليه، ولم يعتبرها عاقلٌ طعناً في الشافعي على جلالته .
قال القرافي
في مسألة "المال الذي خالطه الحرام": (قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ: وَالْقِيَاسُ قَوْلُ
ابْنِ الْقَاسِمِ[يعني جواز المعاملة] وَقَوْلُ ابْنِ وَهْبٍ اسْتِحْسَانٌ
وَقَوْلُ أَصْبَغَ تَشَدُّدٌ [تحريم الكل] فَإِنَّ قَاعِدَةَ الشَّرْعِ
اعْتِبَارُ الْغَالِبِ)."
الذخيرة"،13/317
قال الشيخ
عبد الله بن جبرين ـ رحمه الله ـ : (وقد تشدَّد الحنابلة في طلب
الماء، فقالوا: إذا دخل الوقت لزمه أن يطلب الماء، ويبحث عنه فيما حوله، فإذا بحث
لعله يجد مستنقعاً أو يجد غديراً أو يجد بئراً أو نحو ذلك، فيبحث ولا يتيمم إلا
إذا تحقق وتيقن أنه ليس عنده ماء.) "
شرح أخصر المختصرات"،3/6.
قال ابن تيمية عن تشدُّد الهروي: ( كأبي إسماعيل الأنصاري الهروي، صاحب
كتاب " ذم الكلام "، فإنه من المبالغين في ذم الجهمية لنفيهم الصفات.
وله كتاب " تكفير الجهمية " ويبالغ في ذم الأشعرية، مع أنهم من أقرب هذه
الطوائف إلى السنة والحديث، وربما كان يلعنهم.
وقد قال له بعض الناس بحضرة نظام الملك: أتلعن الأشعرية؟ فقال: ألعن من
يقول: ليس في السموات إله، ولا في المصحف قرآن، ولا في القبر نبي، وقام من عنده
مغضباً)." الحسنة و السيئة"،1/108.
فلا معنى لقول ابن تيمية : كان من
المبالغين إلا التشدُّد ،وهذا لا يحتاج إلى نقلٍ فشهرة الهروي، و البربهاري،
بالتشدَّد يعرفها صغار طلبة العلم !
وفي ترجمة سحنون: (وَلَمْ يَكُنْ يَهَابُ سُلْطَاناً فِي حَقٍّ، شَدِيْداً
عَلَى أَهْلِ البِدَعِ)،" سير الأعلام"،9/465.
كذلك ابن عون: (كَانَ صَدُوْقاً صَالِحاً شدِيداً عَلَى المُبْتَدِعَةِ
لَهِجاً بِالسُّنَّةِ صَبُوْراً عَلَى الأَذَى)" سير الأعلام"، 12/376،
معه أنه كان محبَّا للغناء
وهذا الوصف كثير جداً في كتب التراجم، وهو في معنى متشدِّدا، فإن الذي
يقابل شديدًا و متشدِّدا :سهلا ،متسامحا، لينا، و بينهما وسط .
وممن وصف بالتشدُّد في السنة كذلك الدارمي، و ابن أبي زمنين، و أصبغ، و
الطلمنكي،و إبراهيم بن إسحاق بن خزيمة ،أحمد بن عون الله البزَّاز،علي بن أبي
البقاء الورَّاق،القاضي أبو علي يعقوب البرزيني، و أبو سعدٍ الخيَّاط،وغير هم
كثير.
تفصيل
الموضوع:
و إذ قد بيَّنتُ أن وصف العلماء بالتشدُّد ليس من قبيل الطعن إن كان وصفاً
لحال مطابقة لهم من غير قصد الانتقاص،فلننظر في وصفي للإمام أحمد بالتشدُّد في
قضية "الكرابيسي، و الحارث المحاسبي، و معلى بن منصور، و الذين أجابوا في
الفتنة تحت السيف، و أقصد بالضبط: علي بن المديني و يحي بن معين، وقد خالفه في
هؤلاء غالبية أئمة السُّنَّة إلا بعض أتباعه مع ضرورة أن ننتبه إلا أني قيَّدتُ هذه المسألة
بوصفين مهمين :
الأول:
أن مواقفه كانت عن ورع، و يعلم أهل العلم أن الورع احتياط، وقد يكون زيادة عن الحاجة
فيقع بسببه بغي، وقد بيَّن ابن القيم أنها كانت سدًّا للذريعة، و أن بيانه في
المسألة كان ناقصاً عن البيان التامِّ الذي جاء به البخاري.
الثاني:
أنه أكثر الأئمة استمساكاً بالنص و تقوى و زهداً و عدلا في المقال.
و عليه، فلنتكلَّم بشيء من التفصيل لأنه مناسبة لنفهم كيف ظهر الغلو في بعض
العلماء من أتباعه بناءً على مواقفه هذه ، إما بسبب كلامه المطلق الذي لم يعرف
أتباعه قيوده كما بيَّنه ابن تيمية واصفاً
إياها بـ"عدم دقَّة الفهم".
و إما بسبب مبالغته في التحذير منهم وهجرهم كما قال الذهبي، لكن نبدأ أوَّلا بكلمة مختصرة تبيِّن أن من العلماء
من كان يرى الإمام أحمد قد تشدَّد في قضية اللفظ تصريحاً،
ومنهم من يمكن أن نستنبط ذلك من كلامهم
كابن القيم و ابن تيمية الذي كان
مهتمًّا في كلامه في القضية ببيان سبب المشكلة عنده ،وهو :"عدم فهم العلماء
لكلامه لدقته" ، ثم أفصِّل
لنفهم كيف وقع علماء فطاحل في أخطاء، فهل كان السبب الوحيد: "عدم
فهمهم لكلام أحمد" كما ذكر ابن تيمية، أم هناك أسباب أخرى كوجود الإطلاق في كلامه، و اختلاف عباراته، وعدم
اشتهار التفصيل عنه ، إما لأن التفصيل غير
موجود أصلا، و إما أنه جاء متأخِّراً عن وقته عند بداية القضية، و إما بسبب تقصير
النَّقلة لمذهبه ، و أن المسئولية لا يتحمَّلها
العلماء الذين أخطئوا فيها وحدهم،
فيظهر لنا بالتالي حقيقة الموقف
من الكرابيسي؟
قضية الحسين
الكرابيسي:
لقد شعر الذهبي ـ رحمه
الله ـ بمسؤولية كلام الإمام أحمد في الفتنة التي اشتعلت بين علماء السُّنَّة، و امتدَّت لمدة
طويلة ، فقال
في ترجمة الكرابيسي:
( فإن عنى
بقوله: القرآن الكلام الله غير مخلوق، ولفظي به مخلوق، التلفظ، فهذا جيد،
فإن أفعالنا مخلوقة، وإن قصد الملفوظ بأنه مخلوق، فهذا الذي أنكره أحمد والسلف،
وعدوه تجهما). " الميزان " 1 / 544.
قلتُ: الذي
ثبت عن الكرابيسي و سيبيِّنه الذهبي نفسه و غيره أنه لم يقصد الملفوظ، ومن أين لهم
أن يعرفوا قصده إذا لم يذكره، ولم يعرف عنه أنه كان جهميا، يعني : بمحاكمته إلى سياق
أقواله و ماضيه، قال الذهبي دافعاً عنه التجهم:
(ثُمَّ
نَشَأَتْ طَائِفَةٌ، فَقَالُوا: كَلاَمُ الله -تَعَالَى- مُنَزَّلٌ غَيْرُ
مَخْلُوْقٍ، وَلَكِنَّ أَلفَاظَنَا بِهِ مَخْلُوْقَةٌ - يَعْنُوْنَ: تَلَفُّظَهُم
وَأَصْوَاتَهُم بِهِ وَكِتَابَتَهُم لَهُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ - وَهُوَ حُسَيْنٌ
الكَرَابِيْسِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ الإِمَامُ أَحْمَدُ،
وَأَئِمَّةُ الحَدِيْثِ، وَبَالَغَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الحَطِّ
عَلَيْهِم، وَثَبَتَ عَنْهُ أَنْ قَالَ: اللَّفظِيَّةُ جَهْمِيَّةٌ.
وَقَالَ:
مَنْ قَالَ: لَفظِي بِالقُرْآنِ مَخْلُوْقٌ، فَهُوَ جَهْمِيٌّ، وَمَنْ قَالَ:
لَفظِي بِالقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوْقٍ، فَهُوَ مُبتَدِعٌ، وَسَدَّ بَابَ الخَوضِ
فِي هَذَا.
وَقَالَ
أَيْضاً: مَنْ قَالَ: لَفظِي بِالقُرْآنِ مَخْلُوْقٌ، يُرِيْدُ بِهِ القُرْآنَ،
فَهُوَ جَهْمِيٌّ.)" سير الأعلام"،11/510.
قلتُ:
1 ـ مذهب الكرابيسي
إذاً جيِّد كما وصفه الذهبي في النقل الأوَّل، ولم يكن جهمياً ، فمن أين جاءت
عقوبته حسب ما ثبت عن أحمد ؟
2 ـ عند الإمام أحمد "اللفظية" جهمية بإطلاق ،و
قد علمنا أن هذا اللفظ " اللفظية" مجمل يشمل المحقَّ و المبطل.
ـ ومن قال :
" لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي"
بإطلاق بدون تفصيل بين قائل جهمي و قائل سني؟
ـ ومن قال :
" لفظي بالقرآن مخلوق يريد به القرآن فهو جهمي"،وهذا تفصيل جزئي ناقص لأنه لم يُبيِّن حكم من قال" لفظي بالقرآن
مخلوق وهو يقصد الحكي" مثل الكرابيسي، و أبي ثور، وداود بن علي ،و أبي نعيم، و المروزي،و ابن
قتيبة، و البخاري، وغيرهم كثير ؟
ـ ثم قال: "من
قال:"لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو مبتدع "؟
ـ قال الحكمُ بن معبدٍ: " حَدَّثَنِي أَحْمَدُ
الدَّوْرَقِيُّ، قُلْتُ لأَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ: مَا تَقُوْلُ فِي هَؤُلاَءِ
الَّذِيْنَ يَقُوْلُوْنَ: لَفْظي بِالقُرْآنِ مَخْلُوْقٌ؟
فَرَأَيْتُه اسْتَوَى، وَاجْتَمَعَ، وَقَالَ: هَذَا شرٌّ مِنْ قَوْلِ
الجَهْمِيَّةِ.
مَنْ زَعَمَ
هَذَا، فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ جِبْرِيْلَ تَكَلَّمَ بِمَخْلُوْقٍ، وَجَاءَ إِلَى
النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِمَخْلُوْقٍ "11/290.
يعني: لم
يسلم إلا الساكت، لكن الساكت قد يعدُّونه "متوقِّفا " فتستغلظ عليه
الأمور إذا لم يُبيِّن خاصة في زمنٍ كثرت فيه الشبهة و الريبة و الامتحان.
كما أن الإمام مع حكمه بأن من قال:" القرآن
مخلوق" فهو كافر ، ومن قال :" القرآن غير مخلوق" فهو مبتدع لأن
المسألة محدثة،قال في مناسبات عديدة : " القرآن غير مخلوق" رداً لقول
الجهمية، فكذلك قد يضطرُّ غيره من علماء السُّنَّة إلى أن يقولوا : " لفظي
بالقرآن غير مخلوق" إذا اقتضى الأمر شرح حديث كما فعل البخاري، أو مناظرة مع
جهمي أو غير ذلك، فكيف يكونون جهميةً مبتدعة دون استفصال؟
وكما ترى لا
يوجد في أقواله تفصيل، ووقوف عند القدر المميز الفاصل بين السُّنِّي و الجهمي،فكل
كلامه في "مسألة اللفظ" في القدر المشترك، وهو ظاهر العبارة .
و عليه
انقسم أهل السُّنَّة بعده بقليل إلى:
1 ـ جهمية هجروا و حذِّر منهم، و طردوا أمثال: الكرابيسي، و
أبي ثور، و المروزي، و البخاري، و أبي نعيم يقولون : " لفظي بالقرآن مخلوق" هم
جهمية عند العلماء الذين أخذوا عنه هذا الشطر فقط كابن منده، و السجزي، و الذهلي،
و الأعين، و أبي زرعة ،و أبي حاتم و غيرهم.
2 ـ و مبتدعة لم يحصل لهم شيء في الغالب، يقولون:"
لفظي بالقرآن غير مخلوق" بدَّعهم بعض أنصار الفريق الثاني، و ليسوا كلهم، فمن
المسئول عن هذه الحال؟
3 ـ الذي يقول: "لفظي بالقرآن غير مخلوق " يكون
مبتدعاً من جهة التقرير إن قصد الملفوظ ، لكننا لم نعرف الحكم إن قصد الصوت و فعل
التكلُّم يعني: الحكي، فهذا يجعل أفعال الإنسان غير مخلوقة، إما على معنى القدرية
يجعلها طبعاً كطبع النار، أو شيء آخر أسوأ يعني: قديمة؟
المقصود
: أن المشكلة بدأت مع الكرابيسي، فلما لم يقع
معه تفصيل ارتدَّ ذلك على البقية، و
انتقلت النار إلى من جاء بعده ، وهذا يُعيدنا إلى قول الذهبي الذي كان صريحاً : " لقد بالغ
الإمام في الحطِّ على الكرابيسي " يعني: تشدَّد إلا عند المتحجرة .
وحتى نتأكد
أن تفصيل الإمام أحمد كان ناقصا، أو غير تام كما يصفه ابن القيم، فهذا الذهبي
ينقل عن فوران صاحب الإمام أحمد قوله: (سألني الأثرم، وأبو عبد الله
المعيطي أن أطلب من أبي عبد الله خلوة، فأسأله فيها عن أصحابنا الذين يفرقون بين
اللفظ والمحكي.
فسألته،
فقال: القرآن كيف تصرف في أقواله وأفعاله فغير مخلوق، فأما أفعالنا فمخلوقة.
قلت:
فاللفظية تعدهم، يا أبا عبد الله، في جملة الجهمية؟ فقال: لا، الجهمية الذين قالوا:
القرآن المخلوق). "سير أعلام النبلاء"،11/291.
قلتُ: 1 ـ لكن ليس في هذه الرواية إن كان يعدُّهم من المبتدعة
أم لا؟
فإنه لم ينف عنهم إلا
التجهُّم،وقد وصفهم سابقاً بوصفين: جهمية، و مبتدعة، و أظن أنه لهذا السبب ـ لأن هذا الكلام جاء قبل الذي أشار فيه الذهبي
إلى مبالغته بأكثر من مئة صفحة ـ قال
الذهبي : "وبالغ الإمام في الحطِّ عليهم"، أي القائلين : "لفظي
بالقرآن مخلوق".
2 ـ لو كان هذا القول ـ الذي ذكره فوران ـ معروفاً عند أصحابه و أتباعه لما
وصفوهم بالجهمية، وامتدَّت إلى زمن ابن تيمية؟ !
قال ابن عبد
البر في ترجمة الكرابيسي بعد أن أثنى عليه بما يليق به:
( وكانت
بينه وبين أحمد بن حنبل صداقة وكيدة، فلما خالفه في القرآن، عادت تلك الصداقة
عداوة، فكان كل واحد منهما
يطعن على صاحبه، وذلك أن أحمد بن حنبل
كان يقول: من قال القرآن مخلوق، فهو جهمي، ومن قال: القرآن كلام الله ولا
يقول: غير مخلوق ولا مخلوق، فهو واقفي، ومن قال لفظي بالقرآن مخلوق، فهو مبتدع.
وكان
الكرابيسي، وعبد الله بن كلاب، وأبو ثور، وداود بن علي [والبخاري، والحارث ابن أسد
المحاسبي، ومحمد بن نصر المرزوي] ، وطبقاتهم يقولون: إن القرآن
الذي تكلم الله به صفة من صفاته، لا يجوز عليه الخلق، وإن تلاوة التالي وكلامه
بالقرآن كسب له وفعل له، وذلك مخلوق، وإنه حكاية عن كلام الله، وليس هو القرآن
الذي تكلم الله به، وشبهوه بالحمد والشكر لله، وهو غير الله، فكما يؤجر في الحمد والشكر
والتهليل والتكبير، فكذلك يؤجر في التلاوة (...)
وهجرت
الحنبلية أصحاب أحمد بن حنبل حسينا الكرابيسي وبدَّعوه، وطعنوا عليه ،وعلى كل من
قال بقوله في ذلك.) " الانتقاء "، ص: 106.
أقول: لو
علم ابن عبد البر، وهو العالم المحقِّق أن الإمام أحمد فصَّل المسألة لذكره في هذا
المقام لعظيم الحاجة إليه،فبالنسبة لابن عبد البر ـ ومن السياق الذي أورده ـ سبب كل ما وقع للكرابيسي من الحنابلة هو موقف
الإمام أحمد منه.
ولا شك أن
ما وقع لأئمة السُّنَّة فيما بعد سببه قصة الكرابيسي و التشدُّد معه.
يبقى أن
نبحث عن أسباب هذه الشدَّة ، في ظني الفتنة التي تعرَّض لها أهل السُّنَّة من
المعتزلة، و النار التي اكتوى بها الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ حتى صارت مسألة
الكلام الشعار الذي يفرَّق به بين السُّنِّي و الجهمي،مع طابع الورع الذي يغلب على
سلوك الإمام و غيرته على السُّنَّة، و شدَّة كراهيته لعلم الكلام و الرأي، ربما
خشي من اختلاط الأقوال، وتسرُّب الجهمية من تفريعات المسألة و جزئياتها، فأراد سدَّ
الذريعة كما قال ابن القيم، فبالغ في موقفه.
فهذا
التفسير هو ما يجب في حقِّ الإمام، وما تدل عليه القرائن،لكنه جانبٌ واحد في
المسألة فقط، يبقى جانب المسألة في حدِّ ذاتها، و جانب الأئمة الذين تضرَّروا من موقفه
،فما وقع على الكرابيسي أذى و عقوبة في غير محلِّها، كان له أثر سلبي جدًّا فيما
بعد على المروزي، و البخاري،و أبي نعيم وغيرهم ،فلو فصَّل الإمام أحمد مع
الكرابيسي تفصيلا اشتهر عند أصحابه لما فعل أتباعُه ما فعلوه مع المروزي و البخاري
و غيرهما.
و لله في
خلقه شؤون، و على هذه الأمة كتب قدراً هو واقع لا محالة.
ولم أجد من فهم تسلسل
المسألة تاريخيا، و تداخل الأقوال فيها، و ما أنبنى عليه من تصرُّفات مشينة مثل
ابن تيمية كما سردها في "الدرء"، لكن تبقى أسئلة عالقةً.
فمما لا شك أن كلام أحمد
ـ في المسألة ـ خفي على كثير من أتباعه، ليس لعدم التفصيل، و لكن لدقَّته كما صرح
به البخاري في " خلق أفعال العباد"؛ قال ابن تيمية:
(صارت كل
طائفة من النفاة والمثبتة في مسألة التلاوة تحكي قولها عن أحمد، وهم ـ كما ذكر
البخاري في كتاب "خلق الأفعال"، وقال: إن كل واحدة من هاتين الطائفتين
تذكر قولها عن أحمد، وهم لا يفقهون قوله لدقَّة معناه).
قلتُ: من
خلال ما استعرضناه سابقاً من مجموع مقولات الإمام في المسألة، الأولى أن نقول: دقَّة
فهمه، لا دقَّة قوله،فإن أقواله كانت مجملة لكنَّه بناها على فهم دقيق كما بيَّنه
ابن القيم في " الصواعق"، فالمشكلة إذاً في دقَّته، وما كان دقيقاً على
علماء كبارٍ من أهل السُّنَّة قد يصعب تكليفهم بفهمه فضلاً عن معاقبتهم على عدم
فهمهِ، فبدأ سوء الفهم من الوهلة الأولى ثم:
(صار ذلك
التفرُّق موروثاً في أتباع الطائفتين، فصارت طائفة تقول: إن اللفظ بالقرآن غير
مخلوق، موافقة لـ أبي حاتم الرازي، ومحمد بن داود المصيصي، وأمثالهما كأبي عبد
الله بن منده وأهل بيته، وأبي عبد الله بن حامد، وأبي نصر السجزي، وأبي إسماعيل
الأنصاري، وأبي يعقوب الفرات الهروي وغيرهم.
وقوم يقولون
نقيض هذا القول من غير دخول في مذهب ابن كلاب.
مع اتفاق
الطائفتين على أن القرآن كله كلام الله، لم يحدث غيره شيئاً منه، ولا خلق منه
شيئاً في غيره: لا حروفه، ولا معانيه ـ مثل حسين الكرابيسي وداود بن علي
الأصفهاني وأمثالهما.)
قلتُ: فهذه
شهادة ابن تيمية أن ما قاله الكرابيسي وداود بن علي الأصبهاني لا علاقة له بمذهب
ابن كلاب و الجهمية، فمن أين جاء المشكل ؟
الجواب
: (ومن قال: "لفظي بالقرآن غير مخلوق،
أو تلاوتي" دخل في ذلك المصدر الذي هو علمه، وأفعال العباد مخلوقة، ولو قال: "أردت
به أن القرآن المتلو غير مخلوق، لا نفس حركاتي" قيل له: لفظك هذا بدعة، وفيه
إجمال وإيهام، وإن كان مقصودك صحيحاً، كما يقال للأول إذا قال:" أردت أن فعلي
مخلوق": لفظك ـ أيضاً ـ بدعة، وفيه إجمال وإيهام، وإن كان مقصودك صحيحاً.)
قلتُ: القضية
إذاً من باب سدِّ الذرائع، وليست من باب الحقائق ، يعني: من باب الاحتياط ،ومعنى
البدعة هنا : التعرض للأمر بالذكر و التقرير، و ليس الأمر في نفسه ،فإنه حقٌّ
بالنسبة لما ذهب إليه الكرابيسي، و المحاسبي، و المروزي، و أبو نعيم، و البخاري و
أمثالهم، الذين قصدوا أن أفعال العباد و
التي من ضمنها "فعل القراءة" أو الحكي، مخلوقة لا القرآن .
وكون الخوض
في الشيء بدعة شيء، وكون معانيه بدعة شيء آخر.
و إذا جئنا
إلى المحدثات من حيث الخوض فحتى قولنا: "القرآن
غير مخلوق" وهو الحقَّ محدث، لم يرد في النصوص، ولم تخاطب به الشريعة، اضطرَّ
أهل السُّنَّة لتفصيل القول لردِّ الكفر و البدع ،و عليه يكون الموقف الصحيح هو ما
قرَّره ابن تيمية في "الأسماء و الصفات" الذي مفاده أنه إن ترك الناس
التفصيل، أو فصَّلوا و لم يعطلوا، لم نتعرض لهم حتى يفصِّلوا تفصيلا فيه الحاد أو
تعطيل.
مما يستلزم
معه أنه إما نقول : إطلاق القول بـ" لفظي بالقرآن مخلوق " يعني: فعلنا و
حكينا، لا الملفوظ حقٌّ في ذاته، و يجب عدم إطلاقه لأنه محدث إلا إذا قام المقتضى
كشرح نصوص، أو ردِّ باطل،أو استفهام تعليمي.
و أما إن
قلنا: "هو بدعة، و تجهم،وشر من قول الجهمية"، دون تفصيل، فقد جعلنا الحقَّ
بدعةً، و تحوَّلت المبالغة في سدِّ الذريعة إلى مشكلة، وهذا ما وقع بالضبط.
يسرد لنا
شيخ الإسلام القصة بدقَّة نذكرها، و بعد ذلك نطرح الأسئلة:
(وصار أقوام
يطلقون القول بأن التلاوة غير المتلو، وأن اللفظ بالقرآن مخلوق، فمنهم من يُعرف
أنه موافق لابن كلاب، ومنهم من يُعرف مخالفته له، ومنهم من لا يُعرف منه لا هذا
ولا هذا، وصار أبو الحسن الأشعري ونحوه ـ ممن يوافق ابن كلاب على قوله ـ موافقاً
للإمام أحمد وغيره من أئمة السُّنَّة في المنع من إطلاق هذا وهذا، فيمنعون أن
يقال: "اللفظ بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق"، وهؤلاء منعوه من جهة كونه
يقال في القرآن: إنه يلفظ، أو لا يلفظ، وقالوا اللفظ: الطرح والرمي، ومثل هذا لا
يقال في القرآن.).
قلتُ: فهذا
الأشعري يوافق ابن كلاب في قوله المخالف لأحمد، و يوافق أحمد في النهي عن إطلاق
مثل هذا القول سواء بالقرآن أو باللفظ، فمن جهة المضمون قوله بدعة،ومن جهة الشكل
سنَّة بمعنى عدم الخوض؟
و المشكل أن
من كان مضمون قوله حقا،هو من تعرض للأذى و التبديع و الرمي بالتجهم؟
نواصل مع
ابن تيمية:(ووافق هؤلاء على التعليل بهذا طائفة ممن لا يقول بقول ابن كلاب في
الكلام كالقاضي أبي يعلى وأمثاله، ووقع بين أبي نعيم الأصبهاني وأبي عبد الله بن
منده في ذلك ما هو معروف، وصنف أبو نعيم في ذلك كتابه في الرد على اللفظية
والحلولية، ومال فيه إلى جانب النفاة القائلين بأن التلاوة مخلوقة، كما مال ابن
منده إلى جانب من يقول" إنها غير مخلوقه"، وحكى كل منهما من الحق[ما]
وجد فيه من المنقول الثبت عن الأئمة ما يوافقه.)
قلتُ:وقع
اللغط إذاً لأن كل واحد من الطرفين قال بحسب ما وصله عن الأئمة مما يوافقه، فهو
ضحية ما وصله، ولو وقع التفصيل و اشتهر لكان هؤلاء العلماء أعلم الناس به، فإن لم
يقع فلاحتمال تقصير النَّقلة عن الأئمة في ذلك ؟
يواصل ابن
تيمية: (وكذلك وقع بين أبي ذر الهروي وأبي نصر السجزي في ذلك، حتى صنف أبو نصر
السجزي كتابه الكبير في ذلك المعروف بـ"الإبانة"، وذكر فيه من الفوائد
والآثار والانتصار للسنة وأهلها أموراً عظيمة المنفعة، لكنه نصر فيه قول من يقول: "لفظي
بالقرآن غير مخلوق"، وأنكر على ابن قتيبة وغيره ما ذكروه من التفصيل، ورجَّح طريقة من هجر البخاري، وزعم أن أحمد بن حنبل
كان يقول "لفظي بالقرآن غير مخلوق"، وأنه رجع إلى ذلك.)
قلتُ:
1 ـ عالمٌ مثل السجزي تفوته هذه المسألة، و ينسب إلى الإمام
أحمد أنه رجع إلى قول:" لفظي بالقرآن غير مخلوق" ، و كذلك ابن منده، و
أبو حاتم، و أبو زرعة،و الذهلي،ومحمد بن داود المصيصي،و أبو بكر الأعين،و أبو عبد
الله بن حامد،و أبو إسماعيل الأنصاري، و أبو يعقوب الفرات الهروي وغيرهم كثير خاصَّة من أصحاب أحمد، يعني حتماً
أنه يوجد إشكال كبير في التَّفصيل، إما لم يقع حيث ينبغي، يعني: أثناء الفتنة مع
الكرابيسي، و إما ـ وهو الأظهر عند بعض العلماء ـ قصَّر النَّقلة في نقله لعدم
فهمهم له لدقَّته ،كما قال البخاري و ابن تيمية، فنقلوا بحسب فهمهم فوقعت الطامة ؟
يواصل ابن
تيمية:(وأنكر (السجزي) ما نقله الناس عن أحمد من إنكار على الطائفتين، وهي مسألة
أبي طالب المشهورة.
وليس الأمر
كما ذكره، فإن الإنكار على الطائفتين مستفيض عن أحمد عند أخص الناس به من
أهل بيته وأصحابه الذين اعتنوا بجمع كلام الإمام أحمد، كـ المروزي،
والخلال، وأبي بكر عبد العزيز، وأبي عبد الله بن بطة وأمثالهم، وقد ذكروا من ذلك
ما يعلم كل عارف له أنه أثبت الأمور عن أحمد.
وهؤلاء
العراقيون أعلم بأقوال أحمد من المنتسبين إلى السنة والحديث من أهل خراسان، الذين
كان ابن منده، وأبو نصر، وأبو إسماعيل الهروي وأمثالهم يسلكون حذرهم، ولهذا صنف
عبد الله بن عطاء الإبراهيمي كتاباً فيمن أخذ عن أحمد
العلم، فذكر طائفة ذكر منهم: أبو بكر الخلال، وظن أنه
أبو محمد الخلال شيخ القاضي أبي يعلي وأبي بكر الخطيب، فاشتبه عليه هذا بهذا.)"الدرء"،
1/267.
قلتُ: 1 ـ حتى إنكار الإمام أحمد على الطائفتين لم
يعلم به السجزي و أنكره ؟
2 ـ لو كان كلام شيخ الإسلام أو بالأحرى تبريره دقيقاً لما
كان حال الحنابلة أصحاب أحمد في حياته ،و أبو حاتم و أبو زرعة و غيرهم ممن كانت له
به معرفة فيما بعد ينكرون على البخاري.
و يضعف
تبرير ابن تيمية أن ابنه عبد الله سأله
بتفصيل دقيق يستبعد الجهمية ومقاصدهم ومع ذلك لم يغير حكمه قال:(مَا تَقُولُ فِي
رَجُلٍ قَالَ: التِّلَاوَةُ مَخْلُوقَةٌ وَأَلْفَاظُنَا
بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقَةٌ وَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَيْسَ
بِمَخْلُوقٍ؟ وَمَا تَرَى فِي مُجَانَبَتِهِ؟ وَهَلْ يُسَمَّى مُبْتَدِعًا؟
فَقَالَ:
" هَذَا يُجَانَبُ وَهُوَ قَوْلُ الْمُبْتَدِعِ، وَهَذَا كَلَامُ
الْجَهْمِيَّةِ لَيْسَ الْقُرْآنُ بِمَخْلُوقٍ، قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهَا: تَلَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {هُو
الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ
الْكِتَابِ} [آل عمران: 7] فَالْقُرْآنُ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ)" شرح
السنة" لعبد الله بن احمد 1/.163
لقد صرَّح
الإمام أحمد بنفس الموقف من اللفظية قبل حدوث مسألة اللفظ كما ذكره ابن شاهين عن
محمد بن إسماعيل السُّلمي: (وَسَأَلْتُهُ عَمَّنْ قَالَ: لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ؟ وَلَمْ
يَكُنْ حَدَّثَ يَوْمَئِذٍ لَفْظِي بِالْقُرْآنِ. فَقَالَ: وَأَخْرَجَ يَدَهُ
كَنَارَيْ كَرِكٍ، فَقَالَ: اللَّفْظِيَّةُ جَهْمِيَّةٌ، جَهْمِيَّةٌ)" شرح مذاهب أهل السُّنَّة"،1/31.
وبعد حدوثه،
فالمشكل في الحقيقة ليس في علم أصحابه بنهيه عن القولين " لفظي بالقرآن مخلوق
و غير مخلوق" ولكن بتضارب أقواله ظاهراً بسبب الإجمال و كثرتها فوقعوا في
اضطرابٍ.
3 ـ في الحقيقة التفصيل الشافي لم يقع من الإمام أحمد ـ
رحمه الله ـ أو لم يشتهر عند العلماء إلا
بعد مجيء البخاري ـ رحمه الله ـ لكنه كان
مهجوراً،لا قيمة لكلامه، لم ينتبه إلى كلامه أحد لغلبة التقليد على بعض العلماء ،فلم
يكونوا ليأخذوا بقوله المفصَّل و يتركوا لأجله قول الإمام أحمد، فقد كان المذهب
مستقراً في روعهم أن من قال خلاف ما ثبت لديهم عن الإمام أحمد، وهو أن كل من قال :
" لفظي بالقرآن مخلوق" فهو جهمي مبتدع، و ما يقوله البخاري هو عين ما حذَّر
منه الإمام أحمد، فلم يكن في وسعهم الاستفادة من تفصيل البخاري.
قال ابن القيم:
(الْبُخَارِيُّ أَعْلَمُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَأَوْلَى بِالصَّوَابِ فِيهَا
مِنْ جَمِيعِ مَنْ خَالَفَهُ، وَكَلَامُهُ أَوْضَحُ وَأَمْتَنُ مِنْ كَلَامِ أَبِي
عَبْدِ اللَّهِ، فَإِنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ سَدَّ الذَّرِيعَةَ حَيْثُ مَنَعَ
إِطْلَاقَ لَفْظِ الْمَخْلُوقِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا عَلَى اللَّفْظِ) "مختصر
الصواعق"، 1/512.
قلتُ :
فمذهب أحمد كما لخَّصه ابن القيم : النهي سداً للذريعة لأن قولهم ظاهراً و ليس تحقيقاً : " لفظي
بالقرآن مخلوق" فيه عدول عن قول السَّلف " القرآن غير مخلوق" ،و القرآن
اسم يتناول اللفظ و المعنى ، فإذا خصَّ
اللفظ بكونه غير مخلوق كان ذلك زيادة في
الكلام أو نقصاً من المعنى، فمنعا للتوهم بأن المقصود هو الملفوظ يعني: القرآن، لا
فعل الإنسان، منع هذا القول.
و أما
البخاري فميَّز و فصَّل، و أشبع الكلام في
ذلك،وفرَّق بين ما يقوم بالرب، و بين ما يقوم بالعبد ، و قد شفى في هذه المسألة، و
أتى فيها من الفرقان و البيان بما يزيل الشبهة، و يوضِّح الحق ،و يُبيِّن محله من
الإمامة و الدين ،و رد على الطائفتين أحسن الرَّدِّ كما وصفه ابن القيم.
قلتُ: فالمسألة فيها
الكرابيسي، و أبو ثور، و داود الأصبهاني، و المروزي، و أبو نعيم الأصفهاني، و ابن
قتيبة، و أبو ذر الهروي، و البخاري، و غيرهم ، ووقعت بسبب الاختلاف حول مذهب أحمد
بين أصحابه و أتباعه من الحنابلة ومن أهل الحديث، و تبيَّن أن قول الكرابيسي حقٌّ
لا غبار عليه، وأن نهي أحمد من باب سدِّ الذريعة،
ومن لم يفهموا عنه مذهبه جيداً فبسبب عدم علمهم بالتفصيل، و دقَّة المسألة
عليهم، ولو وقع التفصيل مع الكرابيسي لكان
شأن آخر ،و المحصِّلة من جميع الجهات الممكنة أن موقف الإمام أحمد من
الكرابيسي فيه شدَّة ، و مبالغ فيه .
عندما قال الإمام أحمد
من قال: " القرآن مخلوق فهو كافر، ومن قال: "لفظي بالقرآن مخلوق فهو
مبتدع" وفي رواية" جهمي".
و معلوم أن الشطر الثاني" لفظي بالقرآن مخلوق
" يقوله السُّنِّي وهو حقٌّ، و يقوله
الجهمي المتحايل وهو باطل و إلا فإنه
يقول: " القرآن مخلوق".
و معلوم كذلك أن قول
الواحد "لفظي بالقرآن مخلوق"
ينصرف إلى اللفظ، و ليس للقرآن ،لأن الإخبار هنا عن اللفظ و ليس
عن القرآن، و الجهمي يحتاج إلى إضمار في نفسه و إلى نوع ليصرف المخلوقية إلى
القرآن، فيقصد بكلمة "لفظي": الملفوظ.
و عليه فقد تناول قول
الإمام أحمد المحقَّ و المبطل، و تناوله
هنا للمحقِّ أكثر من تناوله للمبطل لأن هذا قول المحقِّ ليس له قول آخر ، بينما المبطل يحتاج إلى تحايل
إذ ظاهر اللفظ لا يفيد قصده، فهو جهمي بالقصد، و ليس بظاهر اللفظ، لأنه ظاهراً صحيح.
وقد ثبت أنه قاله من باب
الاحتياط و سدِّ الذريعة؟
فأقول : هذا قصدي عندما
قلتُ : "منهجه وفقهه مبني على
الورع"، و الورع أكثره مستحب، و ليس بواجب، وهو دين الخاصَّة، و قد لا يستحب
في بعض المواضع لأنه يقود إلى التشدُّد، يعني: المبالغة في النهي عن الشيء حتى
يتناول النهي الحقَّ و يدخله في حيز الباطل، وهذا باطل و إن كان القصد صحيحاً.
ولهذا اختلف العلماء في
سدِّ الذريعة فردَّها ابن حزم ،وقوله أشبه الأقوال بالصواب، و توسَّط فيها بعضهم،
و بالغ فيها بعضهم في الفقه ، و آخرون في قضايا العقيدة، فكان يلزم التفصيل حتى يفرِّق
بين الحق و الباطل،ولا يظلم المحقَّ و يجعل مع المبطل،
مع ضرورة أن نفهم أن النهي مبني على فهم دقيق، هو منع جميع المحدثات و الحفاظ على
دين الأمة سالما من كل ما لم تكلف به الشريعة لكن كان ينقصه التفصيل لقيام الضرورة إليه.
و إذا كان موقف الإمام
أحمد من باب سدِّ الذريعة لا التحقيق، فلا يلزمه إلا هو، و يلزم المتكلِّم فيها
بالتفصيل الدليل، الأمر الذي فعله البخاري، فأرادوا أن يلزموه بمذهب أحمد، وهو كما
قلنا سد ذريعة لا تحقيق.
المهم: بالغ رحمه الله في الورع
و الاحتياط حتى أدرج السُّنِّي القائل بهذا القول في المبتدعة، فبدَّع
الكرابيسي و أمر بهجره، و لم يكن جهميا ،بل كان سُنِّيًّا كما سبق بيانه ،وقوله " لفظي بالقرآن
مخلوق"حقٌّ لا غبار عليه.
و بسبب مبالغة الإمام
أحمد و تشدُّده في الموضوع مع الكرابيسي ظُلم فيما بعد المروزي و البخاري فإنها نفس القضية، فلولا أن أتباعه فهموا أن موقفه من الكرابيسي حقٌّ لأنهم ربما لم
يبلغهم تفصيله أو الأسباب الدقيقة لموقفه لما كرَّروه مع المروزي و البخاري.
ثم كيف نفسِّر تكرار الخطأ
من أتباعه في فترات تاريخية متباينة، ومع شخصيات سنِّيَّة مختلفة، إن لم يكن هذا
المشهور عنه عند أتباعه؟
و هذا ـ في ظني ـ مراد
مؤلفي كتاب " ما بعد السلفية" عندما قالا: قد أخذ أتباعه الشدَّة أو
البغي من بغيه على بعض العلماء كالكرابيسي، مثل وصفه له بأن قوله "قول جهم،
وهو جهمي،قد تجهَّم و أظهر الجهمية"، وقال في
رواية شاهين بن السميدع.: "الحسين الكرابيسي عندنا كافر"،"بحر
الدم"،1/191.
فتجاوز حد
التبديع إلى التكفير ، فإن قلنا: الخوض في المسألة بدعة و إن كان المضمون صحيحاً
كيف تحوَّل التبديع إلى تكفير؟
و أكثر
مسائل العقيدة خاصَّة في الدلائل محدثة لم يخض فيها الصحابة، ولم يخاطب بها النَّبيُّ
صلى الله عليه و سلم الأمة كتفاصيل الأسماء و الصفات، و القدر، و الحكمة وغيرها، فعلى
هذا هل يكون كل من خاض في شيء منها مبتدعا؟
في ظني المسألة فيها اضطراب ، وكما مرَّ عليك في
هذا المقال فيها شيء من جرح الأقران بحسب
تقرير ابن عبد البر.
و نادراً ما يسلم رجل من إساءة الظن بصالحٍ، كما أساء
الشافعي الظن بأبي العالية الرياحي، و أساء الإمام أحمد الظن بالمعلى بن منصور،
وهذا يعرفه من قرأ كتب التراجم ،و عرف أحوال العلماء .
و الكرابيسي لم يبدِّعه
أحدٌ بعد الإمام أحمد إلا بعض أتباعه، أما كبار الأئمة فلم يتعرَّضوا له بتبديع.
بعد الانتهاء من بحث تشدُّد
موقف الإمام أحمد مع بعض أهل السُّنَّة نذكر شيئا عن تشدُّد الحنابلة و إيذائهم
للعلماء.
مشكلة الحارث
المحاسبي:
1 ـ أمر الإمام أحمد بهجر الحارث
المحاسبي ـ رحمهما الله ـ لأنه قال في
مسألة تجدُّد الصفات " قيام الأفعال الاختيارية بذاته" بقول يخالف
الصواب، فلنبحث كيف قاله؟ و لماذا قاله ؟وهل
يستحقُّ الهجر عليه تحقيقاً و ليس تقليداً؟ وماذا لو طردنا الموقف من الحارث
المحاسبي على بقية أئمة السُّنَّة كم سيبقى لنا منهم؟
2 ـ وهنا يجب أن يضع مبتغ الحق من غير بغي على أحد الفرق بين السُّنِّي المخطئ
لإتِّباعه لعلمه و لاستشكال مسألة عليه، و بين المبتدع صاحب الأصول البدعية، بين
عينيه.
3 ـ هل كان الحارث المحاسبي على مذهب ابن كلاب كما شاع عنه في بعض كتب التراجم
أما وافقه في مسألة وخالفه في الأكثرية؟
فيما يخص ابن كلاب فهو أحسن المتكلمين و أقربهم للسُّنَّة قال
الذهبي عنه : (وَالرَّجُلُ
أَقرَبُ المُتَكَلِّمِيْنَ إِلَى السُّنَّةِ، بَلْ هُوَ فِي مُنَاظِرِيهِم ).
كان مثبتا للصفات أراد
أن يعارض نفاة الصفات فأخطأ في بعض المسائل ،قال الذهبي : (وَصَنَّفَ فِي التَّوحِيدِ، وَإِثْبَاتِ
الصِّفَاتِ، وَأَنَّ عُلُوَّ البَارِي عَلَى خَلقِه مَعْلُومٌ بِالفِطرَةِ
وَالعَقلِ عَلَى وَفقِ النَّصِّ، وَكَذَلِكَ قَالَ المُحَاسِبِيُّ فِي كِتَابِ
(فَهْمِ القُرْآنِ)) "سير أعلام النبلاء"11/174.
و قد ذهب الحارث المحاسبي في مسألة "تعلُّق الصفة بالقدرة و المشيئة"
إلى رأي ابن كلاب، وهو النفي، وهو قول فيه نزاع عند أصحاب أحمد أنفسهم لعله حدث
بعده ، نذكر قول ابن تيمية و نعلِّق عليه :
(وَأَمَّا أَئِمَّةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ
وَالْفُقَهَاءِ وَالصُّوفِيَّةِ وَطَوَائِفِ أَهْلِ الْكَلَامِ الَّذِينَ
خَالَفُوا الْمُعْتَزِلَةَ قَدِيمًا مِنْ الْمُرْجِئَةِ وَالشِّيعَةِ ثُمَّ
الْكَرَّامِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ فَيُخَالِفُونَ فِي ذَلِكَ وَيَجْعَلُونَ هَذِهِ
الْأَفْعَالَ الْقَائِمَةَ بِذَاتِهِ مُتَعَلِّقَةً بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَأَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ
قَدْ تَنَازَعُوا فِي ذَلِكَ كَمَا تَنَازَعَ غَيْرُهُمْ وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ
عَبْدُ الْعَزِيزِ عَنْهُمْ فِي الْمُقْنِعِ قَوْلَيْنِ.)
قلتُ: يلزم أن قول الحارث المحاسبي موجود عند بعض الحنابلة،وفي ظني هم ممن
جاء بعد الإمام وكان فيه ميل إلى الأشعرية أو المعتزلة.مختار
ثم قال: (وَحَكَى الْحَارِثُ الْمُحَاسِبِيُّ الْقَوْلَيْنِ عَنْ
أَهْلِ السُّنَّةِ وَلَكِنَّ الْمَنْصُوصَ الصَّرِيحَ عَنْ الْإِمَامِ
أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ يُوَافِقُ هَذَا الْقَوْلَ كَمَا
ذَكَرْنَاهُ مِنْ كَلَامِهِ فِي الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ فَإِنَّ بِأَوَّلًا
لَمَا قَالَ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَكَلَّمْ وَلَا يَتَكَلَّمُ فَنَفَى
الْمُسْتَقْبَلَ كَمَا نَفَى الْمَاضِيَ قَالَ أَحْمَدُ: فَكَيْف يَصْنَعُونَ
بِحَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلَّا سَيُكَلِّمُهُ اللَّهُ
لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ).
قلتُ: هذا شيخ الإسلام يُبين أن الحارث بانتهائه إلى القول الآخر كان يظن
أنه من أقوال أهل السُّنَّة،و لذلك حكاه عنهم، ولم يكن يعلم أنه من أقوال
المبتدعة،فهو عن خطأ و ليس عن أصول بدعية.
قال ابن تيمية في موضع آخر ما يؤكِّد هذا : (وَأما السّمع وَالْبَصَر
وَالْكَلَام فقد ذكر الْحَارِث المحاسبي عَن أهل السّنة فِي تجدّد
ذَلِك عِنْد وجود المسموع المرئي قَوْلَيْنِ،وَالْقَوْل بسمع وبصر قديم يتَعَلَّق
بهَا عِنْد وجودهَا قَول ابْن كلاب وَأَتْبَاعه والأشعري.)
قلتُ: فما ظنه الحارث المحاسبي من أقوال أهل السُّنَّة هو في الحقيقة من
قول ابن كلاب و الأشعري.
ثم يشرح لنا شيخ الإسلام دقَّة الاختلاف في هذه المسألة ، و أنهم كلهم
ينتسبون لأحمد : (وَالْقَوْل بتجدُّد
الْإِدْرَاك مَعَ قدم الصّفة قَول طوائف كَثِيرَة كالكرامية وَطَوَائِف سواهُم،
وَالْقَوْل بِثُبُوت الْإِدْرَاك قبل حدوثها وَبعد وجودهَا قَول السالمية كَأبي
الْحسن بن سَالم وَأبي طَالب الْمَكِّيّ، والطوائف الثَّلَاثَة تنتسب إِلَى
أَئِمَّة السّنة كَالْإِمَامِ أَحْمد، وَفِي أَصْحَابه من قَالَ بِالْأولِ،
وَمِنْهُم من قَالَ بِالثَّانِي والسالمية تنتسب إِلَيْهِ.).
وهكذا مع
مسألة الإرادة و المشيئة تختلف فيها الصفاتية على ثلاثة أقوال:
(أَحدهَا:
أَنَّهَا لَيست إِلَّا قديمَة وَهُوَ قَول ابْن كلاب والأشعري وأتباعهما.
الثَّانِي:
أَنَّهَا لَيست إِلَّا حَادِثَة وَالْفرق بَين هَذَا وَبَين قَول الْمُعْتَزلَة
البصرية أَن الْمُعْتَزلَة يَقُولُونَ بحدوثها لَا فِي مَحل لِامْتِنَاع كَونه
محلا للحوادث عِنْدهم، وَهَؤُلَاء يَقُولُونَ تقوم بِذَاتِهِ كَمَا يقوم الْكَلَام
بِذَاتِهِ.
وَالثَّالِث:
أَنَّهَا قديمَة وحادثة وَهُوَ قَول طوائف من الكرامية وَأهل الحَدِيث والصوفية
وَغَيرهم وَكَذَلِكَ يَقُول هَؤُلَاءِ: إِنَّه يُوصف بِأَنَّهُ مُتَكَلم فِي
الْأَزَل، وَأَنه يتَكَلَّم إِذا شَاءَ كَمَا صرح بذلك الْأَئِمَّة كَالْإِمَامِ
أَحْمد وَغَيره.
لَكِن فِي
تَحْقِيق ذَلِك نزاع بَين الْمُتَأَخِّرين فَقيل: الْقَدِيم هُوَ الْقُدْرَة على
الْكَلَام كَمَا قَالَت الكرامية وَقيل: بل الْقَوْلَانِ متضادان كَمَا ذكر أَبُو
بكر عبد الْعَزِيز وَعبد الله بن حَامِد عَن أَصْحَاب أَحْمد) "جامع الرسائل"، 1/181.
قلتُ: فالمسألة دقيقة، و قد أشكلت على كثيرين، و الخطأ فيها لم يقع فيه
الحارث المحاسبي وحده بل معه بعض فضلاء الحنابلة و غيرهم كثير.
و قد نقل لنا ابن تيمية مذهب الحارث المحاسبي مفصَّلا ، وحقَّقه، فقال في (الدرء)(2/46) : (وقال الحارث بن أسد المحاسبي في كتاب (فهم القرآن) لما
تكلَّم على ما يدخل في النسخ وما لا يدخل فيه النسخ، وما يظن أنه متعارض من
الآيات، وذكر عن أهل السُّنَّة في الإرادة والسمع والبصر قولين في
مثل قوله: { لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ
شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ } (الفتح:
27) وقوله: { وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً } (الإسراء: 16)
وقوله: { إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ
لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } (يس: 82) وكذلك قوله:
{ إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ }
(الشعراء: 15) وقوله: { وَقُلِ
اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ } (التوبة: 105) ونحو ذلك، فقال: (قد ذهب قوم من أهل السُّنَّة إلى أن لله
استماعاً حادثاً في ذاته، وذكر أن هؤلاء وبعض أهل البدع تأوَّلوا ذلك في الإرادة
على الحوادث.
قال: (فأما
من ادَّعى السُّنَّة، فأراد إثبات القدر، فقال: إرادة الله تحدث إن حدثت من تقدير
سابق الإرادة، وأما بعض أهل البدع فزعموا أن الإرادة إنما هي خلق حادث، وليست
مخلوقة، ولكن بها كون الله المخلوقين).
قال:
(وزعموا أن الخلق غير المخلوق، وأن الخلق هو الإرادة، وأنه ليست بصفة لله من نفسه)
.
قال: (ولذلك
قال بعضهم: إن رؤيته تحدث) .
واختار
الحارث المحاسبي القول الآخر، وتأوَّل المنصوص على أن الحادث هو وقت المراد لا نفس
الإرادة، قال: وكذلك قوله: { إِنَّا
مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ } وقوله: {
فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ } تأوَّله على أن المراد حدوث المسموع والمبصر، كما تأوَّل
قوله تعالى: {حَتَّى نَعْلَمَ} (محمد: 31) حتى يكون المعلوم بغير حادث علم في الله، ولا بصر، ولا سمع،
ولا معنى حدث في ذات الله، تعالى عن الحوادث في نفسه) .
قلتُ: فالرجل قال بحسب
ظنِّه، فإن من الناس إذا رسخ في روعه" تنزيه الله عن الحوادث في نفسه"
وظن أن إثبات تجدُّد آحاد الصفات ينافيه يهاب القول بغيره و يستعظمه لعدم اهتدائه
إلى القول الوسط، و الجمع بين قدم الصفة و تجدُّد آحادها،فأخطأ في مسألة أشكلت على
كثيرين؟
وقد قيل: انه رجع عنها،
ونقل عنه ما يخالفها مما يُبيِّن أنه ليس كابن كلاب ولا كالأشعري، بل هو أجل منهما،
و أعلم بالسُّنَّة و الحديث و أقوال السَّلف،و قد أشكلت على غيره من فضلاء أهل
العلم، قال ابن تيمية في (الدرء)(7/97) :
(والذي كان أئمة السُّنَّة
ينكرونه على ابن كلاب و الأشعري بقايا من التجهم والاعتزال، مثل اعتقاد صحة طريقة
الأعراض وتركيب الجسام وإنكار اتصاف الله بالأفعال القائمة التي يشاؤها ويختارها،
وأمثال ذلك من المسائل التي أشكلت على من كان أعلم من الأشعري بالسُّنَّة
والحديث وأقوال السَّلف والأئمة، كالحارث المحاسبي، وأبي علي الثقفي، وأبي
بكر بن إسحاق الصبغي، مع أنه قد قيل: إن الحارث رجع عن ذلك، وذكر عن غير
واحد ما يقتضي الرُّجوع عن ذلك)
قلتُ: فهذه مسألة أشكلت
على فضلاء كثيرين،ورجع عنها الحارث، قال ابن تيمية تأكيداً لذلك : (وذكر أبو بكر الكلاباذي في كتاب (التعرُّف لمذاهب التصوف) عن الحارث
المحاسبي، أنه كان يقول: إن الله يتكلَّم بصوت، وهذا يناقض قول ابن كلاب.)
قلتُ: قال الكلاباذي في
(التعرُّف لمذهب أهل التصوف)(1/40) : (وَقَالَت طَائِفَة مِنْهُم: كَلَام الله حُرُوف وَصَوت، وَزَعَمُوا أَنه لَا
يعرف كَلَامه إِلَّا كَذَلِك، مَعَ إقرارهم أَنه صفة الله تَعَالَى فِي ذَاته غير
مَخْلُوق، وَهَذَا قَول حَارِث المحاسبي وَمن الْمُتَأَخِّرين ابْن سَالم).
و قال ابن تيمية أيضاً:
(ثم ذكر غير واحد أن الحارث رجع عن ذلك، كما ذكره معمر
بن زياد في (أخبار شيوخ أهل المعرفة والتصوُّف)).
قلتُ: هذه النقول التي
تفيد رجوعه عن القول الذي هجر من أجله أنقلها لأبيِّن أن الرجل لم ينته إليه بسبب
خلفية بدعية أو هوى، و لكن ذلك مبلغه من العلم،فإن المبتدعة قلَّما يرجعون عن
أقوالهم.
ولم يكن الحارث المحاسبي
موافقاً لابن كلاب في كل شيء كما يفهم من كلمة "أتباع ابن كلاب" ، قال
ابن تيمية : (هجران أحمد للحارث لم يكن لهذا السبب الذي
ذكره أبو حامد، وإنما هجره لأنه كان على قول ابن كلاب، الذي وافق المعتزلة على صحة طريق الحركات وصحة طريق التركيب، ولم يوافقهم
على نفي الصفات مطلقاً، بل كان هو وأصحابه يثبتون أن الله فوق الخلق، عال
على العالم، موصوف بالصفات، ويقررون ذلك بالعقل، وإن كان مضمون مذهبه نفي ما يقوم
بذات الله تعالى من الأفعال وغيرها مما يتعلَّق بمشيئته واختياره، وعلى ذلك بنى
كلامه في مسألة القرآن.).
ما هي مرتبة الحارث ضمن
الأئمة :
1 ـ أحسن من الأشعري، (خير من الأشعرية في هذا وهذا، فكلما كان
الرَّجل إلى السَّلف والأئمة أقرب كان قوله أعلى وأفضل)"التدمرية"،
1/192..
2 ـ من السَّلف ، (ولهذا كان السَّلف
كأحمد بن حنبل والحارث المحاسبي وغيرهما يقولون: العقل غريزة)" الرد على
المنطقيين"،1/94.
3 ـ من أئمَّة الدِّين، (قال
الإمام أبو عبد الله الحارث بن إسماعيل بن أسد المحاسبي في كتابه المسمَّى: «فَهْم
القرآن»)"الحموية"،1/385.
4 ـ من شيوخ أهل الدِّين، (وكذلك
شيوخ أهل الدين، مثل الفضيل بن عياض، وبشر الحافي، وأحمد بن أبي الحواري، وسهل بن
عبد الله التستري، وعمرو بن عثمان المكي، والحارث المحاسبي، ومحمد بن خفيف
الشيرازي، وغير هؤلاء.)"الدرء"،6/266.
5 ـ هو في طبقة ليس فوقها إلا كبار أئمَّة السُّنَّة ، ( ومعلوم أن طريقة أئمة الصوفية وأئمة
الفقهاء أكمل من طريقة أبي القاسم القشيري ،ومن طريقة أبي طالب والحارث، ومن طريقة
أبي المعالي وأمثاله، وأولئك الأئمة كانوا أعلم بطريقة الصحابة وأتبع لها من
أتباعهم فالقاضي أبو بكر الباقلاني وأمثاله أعلم بالأصول والسُّنَّة وأتبع لها من
أبي المعالي وأمثاله، والأشعري والقلانسي ونحوهما أعلى طبقة في ذلك من القاضي أبي
بكر ،وعبد الله بن سعيد بن كلاب، والحارث المحاسبي أعلى طبقة في ذلك من
هؤلاء ،ومالك، والأوزاعي، وحماد بن زيد، والليث بن سعد وأمثالهم أعلى طبقة
من هؤلاء، والتابعون أعلى من هؤلاء، والصحابة أعلى من التابعين.)"الأصفهانية"،1/129.
في
الأخير : قد كان الحارث المحاسبي كبير القدر كما قال الذهبي في
(سير أعلام النبلاء)(12/110) زاهداً من العارفين، عظَّم الإمام أحمد ما عنده من
(علم بالحقائق) كما نقل الذهبي: (أَنْبَأَنَا
ابْنُ عَلاَّنَ، أَخْبَرَنَا أَبُو اليُمْنِ، أَخْبَرَنَا القَزَّازُ ، أَخْبَرَنَا الخَطِيْبُ، أَخْبَرَنِي
مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ يَعْقُوْبَ، أَخْبَرَنَا الضَّبِّيُّ، سَمِعْتُ
أَحْمَدَ بنَ إِسْحَاقَ الضُّبَعِيَّ، سَمِعْتُ إِبْرَاهِيْمَ بنَ إِسْحَاقَ
السَّرَّاجَ يَقُوْلُ:
قَالَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ يَوْماً: يَبلُغُنِي أَنَّ الحَارِثَ هَذَا
-يَعْنِي: المُحَاسِبِيَّ- يُكْثِرُ الكَونَ عِنْدَكَ، فَلَو أَحضَرْتَهُ،
وَأَجْلَسَتْنِي مِنْ حَيْثُ لاَ يَرَانِي، فَأَسْمَعُ كَلاَمَهُ،قُلْتُ:
السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ.
وَسَرَّنِي هَذَا الابْتِدَاءُ مِنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ، فَقَصَدتُ
الحَارِثَ، وَسَأَلْتُه أَنْ يَحضُرَ، وَقُلْتُ: تَسأَلُ أَصْحَابَكَ أَنْ
يَحضُرُوا،فَقَالَ: يَا إِسْمَاعِيْلُ، فِيْهِم كَثْرَةٌ فَلاَ تَزِدْهُم عَلَى
الكُسْبِ وَالتَّمْرِ، وَأَكْثِرْ
مِنْهُمَا مَا اسْتَطَعْتَ.
فَفَعَلتُ مَا أَمَرَنِي، وَأَعْلَمتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ، فَحَضَرَ بَعْدَ
المَغْرِبِ، وَصَعَدَ غُرفَةً، وَاجتَهَدَ فِي وِرْدِهِ، وَحَضَرَ الحَارِثُ
وَأَصْحَابُهُ، فَأَكَلُوا، ثُمَّ قَامُوا إِلَى الصَّلاَةِ، وَلَمْ يُصَلُّوا
بَعْدَهَا، وَقَعَدُوا بَيْنَ يَدَيِ الحَارِثِ وَهُم سُكُوتٌ إِلَى قَرِيْبٍ مِنْ
نِصْفِ اللَّيْلِ، وَابتَدَأَ وَاحِدٌ مِنْهُم، وَسَأَلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ،
فَأَخَذَ الحَارِثُ فِي الكَلاَمِ، وَهُم يَسْمَعُوْنَ، وَكَأَنَّ عَلَى
رُؤُوْسِهُمُ الطَّيْرَ، فَمِنهُم مَنْ يَبْكِي، وَمِنْهُم مَنْ يَزعَقُ،
فَصَعدْتُ لأَتَعَرَّفَ حَالَ أَبِي عَبْدِ اللهِ، وَهُوَ مُتَغَيَّرُ الحَالِ،
فَقُلْتُ: كَيْفَ رَأَيْتَ؟
قَالَ: مَا أَعْلَمُ أَنِّي رَأَيْتُ مِثْلَ هَؤُلاَءِ القَوْمِ، وَلاَ
سَمِعْتُ فِي عِلْمِ الحَقَائِقِ مِثْلَ كَلاَمِ هَذَا، وَعَلَى مَا
وَصَفتُ، فَلاَ أَرَى لَكَ صُحْبَتَهُم،ثُمَّ قَامَ، وَخَرَجَ.) يعني: رغم هذا المدح نهاه عن صحبتهم خوفاً عليه من سلوك طريق صعب كهذا،
على طريقة الإمام في الاحتياط.
لقد كان الحارث المحاسبي
صلباً في الحقِّ و الدِّين، لا يداهن ،لم يقبل أن يرث والده و قد خلَّف مالا كثيراً ،فتركه كله لأن أباه كان
واقفيًّا ، كما قال الجنيد.
وهذا مقام في الورع نادر
في كل الأزمان، متشدِّدا في دينه، طالب
والده وهو حي أن يفارق والدته لأنها كانت سنِّيَّة، قال أَبُو الحَسَنِ بنُ مِقْسَمٍ: " أَخْبَرَنَا أَبُو
عَلِيٍّ بنُ خَيْرَانَ، قَالَ: رَأَيْتُ المُحَاسِبِيَّ مُتَعَلَّقاً بِأَبِيْهِ،
يَقُوْلُ: طَلِّقْ أُمِّي، فَإِنَّكَ عَلَى دِيْنٍ، وَهِيَ عَلَى غَيْرِهِ".
إماماً صاحب علمٍ، قال الخطيب: " لَهُ كُتُبٌ كَثِيْرَةٌ فِي
الزُّهْدِ، وَأُصُوْلِ الدِّيَانَةِ، وَالرَّدِّ عَلَى المُعْتَزِلَةِ
وَالرَّافِضَةِ".
لقد قال ـ رحمه الله ـ ما ظنَّ أنه
قول لأهل السُّنَّة، وهو قول ذهب إليه كثير من العلماء حتى من الحنابلة ،و إن كان
غير صحيح ،رجع عنه بعد أن عرف الصواب، قال أبو حامد: "بالغ أحمد في هجره مع
ورعه وزهده"، و إن أخطأ أبو حامد في السبب كما بيَّنه ابن تيمية.
كان يكفي الإمام أحمد أن يُبيِّن الصواب و يحذِّر من الخطأ ، فإن تبديع
أمثال هذا يفتح الباب لتبديع كثير من أهل السُّنَّة، فكل من وقع منهم في خطأ بُدِّع
و هجر ، فلم يكن ليسلم أمثال ابن خزيمة، و الخطابي، و البيهقي، و النووي، و ابن
حجر، و خلق كثير؟
و هم بلا شكٍّ أسوأ قولا من الحارث، بل وممَّن هم أعلى طبقة من هؤلاء من
الأئمَّة، ممَّن أوَّل صفة أو أخطأ في مسألة من مسائل العقيدة.
و حتى الإمام أحمد على جلالة قدره في العلم و العمل أوَّل صفة المجيء، قال
بعضهم: "بسبب طرد المناظرة"، وهذا نفسه تأويل؟
و قال: "من لم يربِّع بعلي فهو أضلُّ من حمار أهله"،وهذا يتناول
بعض كبار الصحابة و إن لم يقصدهم ،حتى تكلَّم فيه بعض أهل الحديث في البصرة.
و أجاز الإقسام بالنَّبيِّ صلى الله عليه و سلم، سواء قصد الحلف به أو
السؤال به، بل قد جوَّز التوسُّل و القسم به ، ولا أصل له في كتاب، ولا سنَّة، ولا
يتحمَّله القياس على الأصول؛ قال ابن تيمية في (المجموع)(1/347): (وَرَأَيْت فِي
كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ فِي النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ لَكِنْ قَدْ يُخَرَّجُ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ فِي
جَوَازِ الْحَلِفِ بِهِ - وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَا يَدُلُّ
إلَّا عَلَى التَّوَسُّلِ بِدُعَائِهِ لَيْسَ مِنْ بَابِ الْإِقْسَامِ
بِالْمَخْلُوقِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَلَا مِنْ بَابِ السُّؤَالِ بِذَاتِ
الرَّسُولِ كَمَا تَقَدَّمَ.)
وقال تفصيلاً في الفتاوى الكبرى (2/422) : (كَمَا لَهُمْ فِي الْحَلِفِ
بِهِ قَوْلَانِ، وَجُمْهُورُ الْأَئِمَّةِ: كَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي
حَنِيفَةَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسُوغُ الْحَلِفُ بِهِ، كَمَا لَا يَسُوغُ الْحَلِفُ
بِغَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ، وَلَا تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ
بِذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. وَهَذَا إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ
أَحْمَدَ، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِهِ خَاصَّةً دُونَ
غَيْرِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ أَحْمَدُ فِي مَنْسَكِهِ الَّذِي
كَتَبَهُ لِلْمَرْوَزِيِّ صَاحِبِهِ إنَّهُ يَتَوَسَّلُ بِالنَّبِيِّ -
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي دُعَائِهِ، وَلَكِنْ غَيْرُ
أَحْمَدَ قَالَ: إنَّ هَذَا إقْسَامٌ عَلَى اللَّهِ بِهِ، وَلَا يُقْسَمُ
عَلَى اللَّهِ بِمَخْلُوقٍ، وَأَحْمَدَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ قَدْ
جَوَّزَ الْقَسَمَ بِهِ، فَلِذَلِكَ جَوَّزَ التَّوَسُّلَ بِهِ،
وَلَكِنَّ الرِّوَايَةَ الْأُخْرَى عَنْهُ هِيَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ
أَنَّهُ لَا يُقْسَمُ بِهِ، فَلَا يُقْسَمُ عَلَى اللَّهِ بِهِ كَسَائِرِ
الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّا لَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ السَّلَفِ
وَالْأَئِمَّةِ قَالَ إنَّهُ يُقْسِمُ عَلَى اللَّهِ، كَمَا لَمْ يَقُولُوا إنَّهُ
يُقْسَمُ بِهِمْ مُطْلَقًا.
وَلِهَذَا أَفْتَى أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُ لَا
يُقْسَمُ عَلَى اللَّهِ بِأَحَدٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ
وَغَيْرِهِمْ، لَكِنْ ذَكَرَ لَهُ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدِيثٌ فِي الْإِقْسَامِ بِهِ، فَقَالَ: إنْ صَحَّ
الْحَدِيثُ كَانَ خَاصًّا بِهِ، وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ لَا يَدُلُّ عَلَى
الْإِقْسَامِ بِهِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
-: «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ
وَإِلَّا فَلْيَصْمُتْ» . وَقَالَ: «مَنْ حَلَفَ
بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ» .)
قال ابن تيمية في (جامع المسائل)(5/121) : (ولم يَنقُل أحدٌ عنه أنه شَرَع
لأمتِه الإقسامَ بأحدٍ من الأنبياء والصالحين على الله، فمن جَعَلَ ذلك مشروعًا
-واجبًا أو مستحبًّا- فقد قَفَا ما لا عِلْمَ له به، وقال قولاً بلا حجةٍ، وشرع
دينًا لم يأذَنْ به الله.
وإذا لم يكن ذلك واجبًا ولا مستحبًّا كان من فَعَلَه معتقدًا أنه واجبٌ أو
مستحب مُخطِئًا في ذلك، وإذا كان مجتهدًا [أو] مقلِّدً فله حُكْمُ أمثالِه من
المجتهدين والمقلدين يُعفَى عنِ خَطَئِه. فأما إذا أنكرَ على غيره بلا علم، ورَدَّ
الأقوالَ بلا حجةٍ، وذمَّ غيرَه ممن هو مجتهد أو مقلد، فهو مستحق للتعزير والزجر،
وإن كان المنازع له مخطئًا، فإن المجتهدَ المخطئ غَفَر الله له خَطأَه، فكيف إذا
كان المنازعُ له المصيبَ وهو المخطئ).
المهم، المعصوم النَّبي صلى الله عليه وسلم، والإمام أحمد أقلُّ الأئمة
خطئا، و للأئمَّة مخارج شرعية تصحِّح المسائل، أو تقيم أعذارهم، لكن الإشكال عند
المتأخِّرين في طرد القواعد فإنهم يخبطون خبط عشواء بسببه يقع البغي بينهم.
فنحن المعاصرون أمام إشكالية "ثبات القاعدة و طردها" ، فإما
نقول: هجره و تبديعه الحارث المحاسبي صواب فيجب أن نطرده في كل من سبق أحمد أو جاء
بعده، و حينئذٍ كم سيسلم لنا من إمام؟ !
و إما نقول: تصرَّف الإمام بحسب حاجة الوقت، و له محامله، و هذا اجتهاده،
وهو في الحقيقة تشدُّد، و ليس أدل من ذلك أنه لم يوافق الإمام أحمد من جاء بعده من
كبار الأئمة المحققين كابن تيمية و الذهبي و غيرهما، فلا يذكروا الحارث إلا
بالتعظيم ، وبهذا وحده تسلم القاعدة و تطرد بحقٍّ على جميع العلماء.
قضية
المعلى بن منصور:
تشدَّد الإمام أحمد
كثيراً في قضية المعلى بن منصور، و إذا نظرنا في السبب ـ حسبما رواه أهل التراجم ـ
لوجدناه يشبه ما كان ينقمه على أهل الرأي من توليد المسائل و استباق الأحداث،قال
أبو حاتم: " قِيْلَ لأَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ:
كَيْفَ لَمْ تَكْتُبْ عَنِ المُعَلَّى بنِ مَنْصُوْرٍ؟ قَالَ: كَانَ يَكْتُبُ
الشُّرُوْطَ وَمَنْ كَتَبَهَا لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَكْذِبَ." ؟
وقال: مَا كَتَبْتُ عَنْهُ شَيْئاً.
و اتَّهمه
بأنه يحدِّث بما وافق الرأي،و أنه كان كل يوم يخطئ في حديثين و ثلاثة.
وقد خالفه
عامَّة أصحاب الحديث كما قال أبو زرعة: "
كَانَ المُعَلَّى أَشبَهَ القَوْمِ- يَعْنِي: أَصْحَابَ
الرَّأْيِ- بِأَهْلِ العِلْمِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ طَلاَّبَةً لِلْعِلْمِ
رَحَلَ، وَعُنِيَ فَتَصَبَّرَ أَحْمَدُ عَنْ تِلْكَ الأَحَادِيْثِ، وَلَمْ
يَسْمَعْ مِنْهَا حَرْفاً، وَأَمَّا عَلِيُّ بنُ المَدِيْنِيِّ وَأَبُو
خَيْثَمَةَ، وَعَامَّةُ أَصْحَابِنَا، فَسَمِعُوا مِنْهُ المُعَلَّى صَدُوْقٌ."
والمعلى عند عامَّة أهل
الحديث: ثِقَةٌ صَاحِبُ سُنَّةٍ، وَكَانَ نَبِيْلاً
طَلَبُوهُ لِلْقَضَاءِ غَيْرَ مَرَّةٍ فَأَبَى، صَدُوْقٌ فَقِيْهٌ مَأْمُوْنٌ.
قال أبو
حاتم: كَانَ صَدُوْقاً فِي الحَدِيْثِ وَكَانَ صَاحِبَ رَأْيٍ.
قال أبو
أحمد بن عدي: أَرْجُو أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِهِ؛ لأَنِّي لم أجد له حديثا منكرًا.
قال سهل بن
عمَّار:" كُنْتُ عِنْدَ المُعَلَّى بنِ مَنْصُوْرٍ، وَإِبْرَاهِيْمَ بنِ
حَرْبٍ النَّيْسَابُوْرِيِّ فِي أَيَّامِ خَاضَ النَّاسُ فِي القُرْآنِ فَدَخَلَ
عَلَيْنَا إِبْرَاهِيْمُ بنُ مُقَاتِلٍ المَرْوَزِيُّ، فَذَكَرَ لِلْمُعَلَّى
أَنَّ النَّاسَ قَدْ خَاضُوا فِي أَمْرِهِ فَقَالَ: مَاذَا يَقُوْلُوْنَ؟ قَالَ:
يَقُوْلُوْنَ: إِنَّكَ تَقُوْلُ: القُرْآنُ مَخْلُوْقٌ فَقَالَ: مَا قُلْتُ،
وَمَنْ قَالَ: القُرْآنُ مَخْلُوْقٌ فَهُوَ عِنْدِي كَافِرٌ"."سير
الأعلام"،8/427.
لقد كان
معلَّى من الحنفية من أصحاب أبي يوسف و محمد بن الحسن،ومن ثقاتهم في النَّقل و الرِّواية،و
كان الإمام أحمد سيء الرأي في أهل الرأي، له موقف معروف منهم، فلعل هذا سبب نفرته
عن معلى، مع ما عُرف عنه من شديد الاحتياط، لكنه روى عمن هو دون معلى بكثير .
و الأسباب التي علَّق
عليها موقفه لم يوافقه عليها أكثر أهل الحديث،وهي نوع من الأحكام الاستباقية، مما
يؤكد تشدُّده و مبالغته في الاحتياط.
موقفه
من علي بن المديني و يحي بن معين:
لقد كان
موقف الإمام أحمد من هذين العالمين الجليلين شديداً، خاصَّة من علي بن المديني،
وقد ارتدَّ ذلك على أصحابه بعده، و قد كانا من أصحابه و أقرانه فلما حدثت الفتنة و
ركَّز عليهما من أشعلها، و تحت الإكراه بالسَّيف أجابا فتغيَّر موقف الإمام منهما.
فإن جئنا
إلى جهة الشريعة فقد تصرَّفا رحمهما الله بما تأذن به، و لهما في عمَّار بن ياسر ـ
رضي الله عنهما ـ قدوة زكَّاها النَّبيُّ
صلى الله عليه و سلم، و رخَّص في ذلك لمن خاف على نفسه الهلاك.
وقد مات في
الفتنة خلقٌ من العلماء كيوسف البويطي و ابن نوح ونصر الخزاعي رحمهم الله أجمعين.
و نتيجة
لموقف الإمام المتشدِّد منهما قال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن علي بن المديني :
" كان أبي حدَّثنا عنه،ثم أمسك عن اسمه، ثم ترك حديثه" فأخذها العقيلي و ذكره في " الضعفاء"، فجاء
الذهبي و انتقده على ذلك ،و قال في ( الميزان)(3/183): "بئس ما صنع بل حديثه
عنه في مسنده".
و لا أظن أن
ردَّ الذهبي يزيل الشُبهة، فإن عبد الله أعلم بأبيه من الذهبي،وهو من باشر الأمر و
عايشه، وقد صرَّح أن الإمام ترك تحديثه " أمسك عن اسمه"، و هذا لا يمنع
أنه حدَّث عنه قبل ذلك ،وهو معنى قوله: "كان أبي حدَّثنا عنه" فلا وجه
لاعتراض الذهبي من هذه الحيثية،وترك التحديث عنه لا يعني أنه ضرب على اسمه في المسند.
ولعل ما
أورده العقيلي في الباب يردُّ توجيه الإمام الذهبي، فقد ذكر أن إبراهيم الحربي، وهو من أصحاب أحمد تركه، و
امتنع مسلم من الرواية عنه في صحيحه، ربما لخضوعه ليحي الذهلي كما فعل مع البخاري،
أقصد من الشدة عليه في مقدمة صحيحه و إلا فإن مسلما كان يصرح بعقيدته في اللفظ،
ولم يهجر البخاري لأجلها فيطرح تركه الرواية عن علي إشكالا معقدا، قال الذهبي: (فَلَمَّا
وَقَعَ بَيْنَ الذُّهْلِيِّ وَبَيْنَ البُخَارِيِّ مَا وَقَعَ فِي مَسْأَلَةِ
اللَّفْظِ، وَنَادَى عَلَيْهِ، وَمنعَ النَّاسَ عَنْهُ، انْقَطَعَ عَنْهُ أَكْثَرُ
النَّاسِ غَيْرَ مُسْلِمٍ.
فَقَالَ
الذُّهْلِيُّ يَوْماً: أَلاَ مَنْ قَالَ بِاللَّفْظِ فَلاَ يَحِلُّ لَهُ أَنْ
يَحْضُرَ مَجْلِسَنَا.
فَأَخَذَ
مُسْلِمٌ رِدَاءً فَوْقَ عِمَامَتِهِ،
وَقَامَ عَلَى رُؤُوْسِ النَّاسِ، وَبَعَثَ إِلَى الذُّهْلِيِّ مَا كتبَ عَنْهُ
عَلَى ظَهرِ جَمَّالٍ .وَكَانَ مُسْلِمٌ
يُظْهِرُ القَوْلَ بِاللَّفْظِ وَلاَ يَكْتُمُهُ)12/433
و ذكر أيضاً
أن أبا زرعة و أبا حاتم تركا الرواية عن
تلميذه محمد يقصد البخاري لأجل مسألة اللفظ ،و أخبر عن عبد الرحمن بن أبي
حاتم أن أبا زرعة ترك الرواية عنه من أجل ما كان منه في المحنة، بينما أخبر
الذهبي في " سير الأعلام" العكس فيما يخص أبا زرعة."الضعفاء"،3/138.
و أحسن ردٍّ
للذهبي هو ما ذكره بعد ذلك من كون البخاري شحن صحيحه بحديث ابن المديني.
و قد قبِل
جلُّ العلماء عذر علي بن المديني ، مثل
يحي بن معين، قال إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد: " سَمِعْتُ يَحْيَى بنَ
مَعِيْنٍ، وَذُكِرَ عِنْدَهُ عَلِيُّ بنُ المَدِيْنِيِّ، فَحَمَلُوا عَلَيْهِ،فَقُلْتُ:
مَا هُوَ عِنْدَ النَّاسِ إِلاَّ مُرتَدٌّ.
فَقَالَ:
مَا هُوَ بِمُرْتَدٍّ، هُوَ علَى إِسْلاَمهِ، رَجُلٌ خَافَ فقال.
وكذلك أبو
زرعة، قال الدارمي :" قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ أَبِي حَاتِمٍ: كَانَ أَبُو زُرْعَةَ
تَرَكَ الرِّوَايَةَ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ أَجْلِ مَا بَدَا مِنْهُ فِي المِحْنَةِ،
وَكَانَ وَالِدِي يَرْوِي عَنْهُ؛ لِنُزُوْعِهِ عَمَّا كَانَ مِنْهُ.
قال محمد بن
عثمان بن أبي شيبة : " سَمِعْتُ عَلِيّاً عَلَى المِنْبَرِ يَقُوْلُ:
مَنْ زَعَمَ
أَنَّ القُرْآنَ مَخْلُوْقٌ، فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ اللهَ لاَ
يُرَى، فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ اللهَ لَمْ يُكَلِّمْ مُوْسَى عَلَى
الحَقِيْقَةِ، فَهُوَ كَافِرٌ".
و قال
الدارمي:" سَمِعْتُ عَلِيَّ بنَ المَدِيْنِيِّ يَقُوْلُ: هُوَ كُفْرٌ
-يَعْنِي: مَنْ قَالَ: القُرْآنُ مَخْلُوْقٌ"، وفي رواية : شهرين قبل موته.
قال الحاكم:
"سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدَ بنَ يَعْقُوْبَ الحَافِظَ يَذْكُرُ
فَضْلَ ابْنِ المَدِيْنِيِّ وَتَقَدُّمَهُ.
فَقِيْلَ
لَهُ: قَدْ تَكَلَّمَ فِيْهِ عَمْرُو بنُ عَلِيٍّ.
فَقَالَ:
وَاللهِ لَوْ وَجَدْتُ قُوَّةً، لَخَرَجْتُ إِلَى البَصْرَةِ، فَبُلْتُ عَلَى
قَبْرِ عَمْرٍو". سير الأعلام،11/58
قلتُ: فهذه
هي قضية ابن المديني، رجل خاف، وصرَّح بخوفه حينما قال: " وَلَكِنِّي خِفتُ أَنْ أُقْتَلَ، وَتَعْلَمُ
ضَعْفِيَ أَنِّي لَوْ ضُرِبتُ سَوْطاً وَاحِداً لَمِتُّ، أَوْ نَحْوَ هَذَا."
وقد كان
يدافع عن الأئمة حينما يمتحنون قال ابن عمَّار:" وَدَفَعَ عَنِّي عَلِيٌّ
امْتِحَانَ ابْنِ أَبِي دُوَادَ إِيَّايَ، شَفَعَ فِيَّ، وَدَفَعَ عَنْ غَيْرِ
وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ المَوْصِلِ مِنْ أَجْلِي، فَمَا أَجَابَ دِيَانَةً إِلاَّ
خَوْفاً".
مع كل هذا لم
يعذره الإمام، فإن لم يكن هذا تشدُّدا فما هو؟
وذكر أهل
التراجم أسباب أخرى ناقشها الذهبي في ترجمته لا تصمد أمام التحقيق.
أما بخصوص
يحي بن معين فقد ذكر الذهبي عن سعيد بن
عمر البرذعي أنه سمع أبا زرعة الرازي يقول: " كَانَ
أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ لاَ يَرَى الكِتَابَةَ عَنْ أَبِي نَصْرٍ التَّمَّارِ،
وَلاَ عَنْ يَحْيَى بنِ مَعِيْنٍ، وَلاَ عَنْ أَحَدٍ مِمَّنْ امْتُحِنَ فَأَجَابَ."
وقد قيل :
إنه تراجع و اعتذر إليه، ولا أدرى ما صحَّة ذلك.
و لندع إمام
الجرح و التعديل الذهبي يجيب، قال ـ رحمه الله ـ: " هَذَا أَمرٌ ضَيِّقٌ،
وَلاَ حَرَجَ عَلَى مَنْ أَجَابَ فِي المِحْنَةِ، بَلْ وَلاَ عَلَى مَنْ أُكرِهَ
عَلَى صَرِيحِ الكُفْرِ عَمَلاً بِالآيَةِ. وَهَذَا هُوَ الحَقُّ. وَكَانَ يَحْيَى
رَحِمَهُ اللهُ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ فَخَافَ مِنْ سَطْوَةِ الدَّوْلَةِ
وَأَجَابَ تَقِيَّةً." سير الأعلام،9/133.
قلتُ: هذا
ما قصدته عندما قلتُ: تشدَّد مع من أجاب في الفتنة تحت إكراه السِّيف ،ومن أذنت له
الشريعة بشيء فليس لأحد أن يذمَّه به ،مع ضرورة أن نأخذ بعين الاعتبار أن الإمام
أحمد رحمه الله كان شديد الاحتياط و التحري، ورعا، يبالغ أحيانا في احتياطه، و في
التحذير و الهجر من العلماء الصَّالحين من أهل السُّنَّة .
و لعل أحسن
ما يوجز هذا الأمر، و يعطينا نظرة صائبة دقيقة عنه،هو قول الذهبي : " وَنَحْنُ
لاَ نَدَّعِي العِصْمَةَ فِي أَئِمَّةِ الجَرحِ وَالتَّعدِيلِ لَكِنْ هُمْ
أَكْثَرُ النَّاسِ صَوَاباً، وَأَنْدَرُهُمْ خَطَأً، وَأَشَدُّهُم إِنصَافاً
وَأَبْعَدُهُمْ عَنِ التَّحَامُلِ، وَإِذَا اتَّفَقُوا عَلَى تَعدِيلٍ أَوْ جَرْحٍ
فَتَمَسَّكْ بِهِ، وَاعضُضْ عَلَيْهِ بِنَاجِذَيْكَ, وَلاَ تَتَجَاوَزْهُ فَتَنْدَمَ,
وَمَنْ شَذَّ مِنْهُم فَلاَ عِبْرَةَ بِهِ. فَخَلِّ عَنْكَ العَنَاءَ وَأَعطِ".سير
الأعلام ،9/.123
مذهب
الإمام أحمد:
يعرف جميع
الناس أن مذهب الإمام أحمد أقل المذاهب أتباعا، كان له تواجد في أكثر بلاد
المسلمين خاصَّة في العراق و الشام، و أقل منه في مصر، ثم انحسر حتى لم يبق منه أتباع إلا في منطقة نجد ،و بعد
قيام الدولة السعودية قالوا: انتشر في
ربوعها؟
ولاشك أن
باقية مناطق المملكة كانت قبل حكم آل سعود
على مذاهب أخرى فإن انتشر في ربوع المملكة حاليا فعلى حسابها،و يبقى السؤال بأية
كيفية؟
وهذا يعرفه
مالكية و شافعية المملكة فهم من عايشوه، وهم أعلم منَّا بما جرى لأجدادهم ووالديهم
مما هو حقهم في التحدُّث عنه.
و إذا بحثنا
عن أسباب انحساره، وهي بدون شك كثيرة يعني: الاحتمالات، فلابد أن يكون لذلك أسباب
كسائر النتائج لا تنفك عن أسبابها، فإما أن المسلمين لا خير فيهم، لا يحبُّون
الخير و الحقَّ و الأرجح، و إما هناك أسباب أخرى؟
وفي هذا
أشار ابن خلدون إلى أن سبب قلَّة أتباعه خلوه من الاجتهاد ، و عقَّب عليه أبو زهرة
بأن سبب ذلك نفور علمائه من القضاء و الولاية، كأنه يشير إلى ما شاع من اشتهار بعض
المذاهب و انتشارها بسبب قبول علمائها لمنصب القضاء، وهذه حجة في
الحقيقة لا تصمد أمام النظر بالمقابلة و المقارنة ، فإن الأحناف خاصة ـ فهم المشار
إليهم بهذه القضية ـ قد تولوا القضاء في كل البلاد الإسلامية ولم ينتشر مذهبهم في بعض مناطقها كشمال
إفريقيا خاصة بعد دخولها تحت حكم
العثمانيين و تعيين قضاة منهم ، فلا شك أن
هناك سبباً غير هذا.
بالنسبة لي
هو الصبغة التشدُّدية لأتباع هذا المذهب، مع العلم أنه من حيث المسائل العلمية هو
كغيره من المذاهب فيه قضايا يتشدَّد فيها خاصَّة القضايا المتعلِّقة بأحكام المرأة،
فهو أضيق مذاهب المسلمين فيها، و المرأة محور المجتمع ومركزه الذي يشدُّ كل الخيوط، وعنوان نوع
الحياة الاجتماعية و مصدر أعرافه و عاداته ،و الفيصل فيها تأثيراً، لكنه في مسائل
أخرى قد يكون أوسعها كمسألة الجمع بين الصلاتين مثلا ،و قد اشتهر عند الناس تشدُّده حتى قال بعض
الباحثين : لم يكن يطلق اسم الحنبلي في مصر إلا على المتشدِّد.
ومع ذلك
فهناك سبب آخر أهم بكثير، وهو ربما الذي تولَّد عنه اعتقاد التشدُّد في فقه هذا
المذهب كأنما أخذ العوامُّ هذا الحكم عن العلماء، وهو الأليق بأن نبحثه هنا لما له
من صلة ببعض ما جاء في كتاب " ما بعد السلفية" و نقم منه ، وهو "مبالغة
الحنابلة في ردود أفعالهم مع المذاهب الأخرى".
لا أقول:
إنهم كانوا السبب في كل الفتن التي حصلت بينهم و بين الشافعية و الأشعرية، بل ربما
كانوا أحيانا مظلومين بمعنى تعرَّضوا لاستفزاز لكن رد فعلهم جنسا وقدراً مما لا
يقبله العلماء ولا يرضونه فقد كان مبالغا فيه جداً، و لنبحث المسألة نقطة نقطة.
1 ـ بحثنا في أول هذا المقال كيف تأثَّر الحنابلة بموقف الإمام أحمد المتشدِّد في قضية اللفظ عند
أهل السُّنَّة، و أنه بسبب أقواله ومواقفه انقسم أهل السُّنَّة بعده إلى فئتين:
جهمية و مبتدعة وحدثت بينهم فتنة عظيمة وردود طفحت بها الكتب.
ومعلوم أنه
لا يمكن أن نفصل هذه القضية عن باقي مسائل الاعتقاد فإنه و إن أخطأ الحنابلة في
المسألة الأولى فإنهم كانوا مدافعين عن عقيدة أهل السُّنَّة في المسألة الثانية، و
أقصد مسائل الأسماء و الصفات لكن تصرفهم كان واحداً ، فبقيت فيهم تلك الشدَّة التي
عرفت عن الإمام احمد فيما يخص الكلام، و ما وقع بسببه، ومع تغيُّر الحال و الظروف
بحيث تداخلت المذاهب، و صار ما كان أحمد يذمُّه و يهجر لأجله أمثال الحارث
المحاسبي قولاً لبعض الحنابلة، و العقيدة الغالبة للأشعرية و الشافعية، لم يستوعب
الحنابلة الفارق بين العصرين، فكانوا يؤذون العلماء حتى من أبناء مذهبهم، كما
فعلوا مع الخطيب البغدادي ، قال ابن الجوزي : (كان أبو بكر الخطيب قديماً على مذهب أحمد بن حنبل
فمال عليه أصحابنا الحنابلة لما رأوا من ميله إلى المبتدعة وآذوه فانتقل إلى مذهب
الشافعي) المنتظم،8/267 نقلا عن التنكيل للمعلمي.
قال
المعلمي: "ويظهر
أن ابن الجوزي أميل إلى المبتدعة من الخطيب" لأنه شغب على الخطيب بما لا يجدي.
و حتى ابن الجوزي نفسه أراد ترك المذهب، وقال: "لولا الإمام أحمد
لتركتُ المذهب".
و كذلك ابن عقيل ذكر هذه الظاهرة عند الحنابلة ، قال : " وكان أصحابنا
الحنابلة يريدون مني هجران جماعة من العلماء، وكان ذلك يحرمني علماً نافعاً "
المنتظم،9/213.
وكذلك تصرُّفهم
مع الطبري ـ رحمه الله ـ تجاوز كل الحدود، فقد أظهروا فيه تشدُّدا و بغيا لا نظير
له فإنهم منعوا الناس من زيارته ،و ردموا بيته بالحجارة، و منعوه من أن يدفن في
مقابر المسلمين حتى قال ابن خزيمة: " وَمَا أَعْلَمُ عَلَى أَديمِ الأَرْضِ أَعْلَمَ
مِنْ مُحَمَّدِ بنِ جَرِيْرٍ، وَلَقَدْ ظَلَمَتْهُ الحَنَابِلَة. "سير
الأعلام،14/273.
قال الذهبي: " كَانَ مِمَّنْ لاَ تَأْخُذُه فِي
اللهِ لومَةُ لاَئِم مَعَ عَظِيْم مَا يلحَقُه مِنَ الأَذَى وَالشَّنَاعَات، مِنْ
جَاهِل، وَحَاسد، وَمُلحد، فَأَمَّا أَهْلُ الدِّين وَالعِلْم، فغيرُ منكرينَ
علمَه، وَزهدَه فِي الدُّنْيَا، وَرفضَهُ لَهَا " سير الأعلام"،14/274.
و لعل هذه
المضايقات التي كان العلماء يعانون منها مع الحنابلة كانت سبباً لانتقال بعضهم عن
المذهب إلى مذهب غيره ، فقد انتقل عنه من
الخطيب البغدادي، و أبو اليمن الكندي، و الحسن بن الزبيدي، أبو البركات مؤيد
الدين التكريتي، و شمس الدين البعلبكي، و أحمد بن معالي الواعظ، و أبو علي الحنفي
البغدادي، وابن الزيتوني، وابن برهان النحوي، و أبو القاسم عمر الدبَّاس،وغيرهم.
و إن كانت حركة العلماء بين المذاهب لا تخص الحنابلة وحدهم، لكن التضييق
على العلماء خاصة في فترات طلبهم بسبب مبالغتهم في الهجر كانت علامة فارقة
للحنابلة.
ومما قد يدل على المبالغة في الهجر عند الإمام أحمد، و الذي أثَّر بشكل
مباشر عند أتباعه ما ذكره محمد بن عامر المصيصي من أنه سأل أحمد عن أيهما أحب إليه
وكيع أو يحي بن سعيد؟
فأجابه : وكيع،فقال المصيصي: كيف فضَّلته على يحي، ويحي و مكانه من العلم و
الحفظ و الإتقان ما قد علمتَ؟
فقال: " وَكِيْعٌ كَانَ صَدِيْقاً لِحَفْصِ بنِ غِيَاثٍ، فَلَمَّا
وَلِيَ القَضَاءَ، هَجَرَهُ، وَإِنَّ يَحْيَى كَانَ صَدِيْقاً لِمُعَاذِ بنِ مُعَاذٍ،
فَلَمَّا وَلِيَ القَضَاءَ، لَمْ يَهْجُرْه يَحْيَى." "سير الأعلام"،9/144.
المهم، عُرف الحنابلة بهذا الأمر
الذي بلغ أوجه في فتنة بغداد ،وقد كانت هذه المدينة معقل الحنابلة، و
للشافعية الأشعرية فيها مدرسة النظامية، وكان نظام الملك يميل إليهم، وكان علماء
الأشعرية يأتون إليها و يلقون فيها المواعظ، و يذكرون عقيدتهم فتثور الحنابلة لذلك
دفاعاً عن عقيدة أهل السُّنَّة و الحديث، و يحصل التعصُّب من الطرفين.
و قد ذكر المؤرخون هذه الأحداث باستفاضة لكن سرد الشيرازي لها في " طبقات الفقهاء" هو
الأقرب لأنه كان شافعيًّا يُشارك الأشعرية في شافعيتهم لكنه لم يكن أشعريا بمعنى
الكلمة، و تجمعه بالحنابلة علاقة وطيدة ، وقد عاصر الأحداث و أنكر تصرُّفات الحنابلة .
و المقصود أنهم و إن كانوا مظلومين نوعاً ما من حيث الاستفزاز إن صحَّ
التعبير إلا أن تصرُّفاتهم مبالغ فيها، الأمر الذي أثَّر على انتشار مذهبهم.
و لعل من غلو بعض الحنابلة ما ذكره العلماء عن بعضهم، فذكروا عبد الساتر
ابن عبد الحميد تقي الدين الحنبلي المتوفى سنة 679 هـ و قال فيه : ( وقال من سمع
منه لأنه كان فيه زعارة، وكان فيه غلو في السُّنَّة، ومنابذة للمتكلمين، ومبالغة
في اتباع النصوص..وهو فكان حنبليا خشنا متحرقا على الأشعري..كثير الدعاوى قليل
العلم )" الوافي
بالوافيات"،18/251.
وذكر صاحب" الوافي بالوافيات" ابن ناصر فقال: ( وَكَانَ ابْن نَاصِر شافعياً ثمَّ صَار
حنبلياً فبلغني أَنه أعَاد صلَاته الَّتِي صلاهَا وَهُوَ شَافِعِيّ مُنْذُ
احْتَلَمَ إِلَى أَن تحنبل، وَأَنه غسل جَمِيع مَا فِي منزله من آلَة وفرش وَثيَاب
حَتَّى جِدَار دَاره فَقلت لبَعض الْحَنَابِلَة ببغداد: لَيْت شعري لم فعل ذَلِك
وَأَنْتُم تروون فِي كتبكم بأسانيدكم أَن أَبَا عبد الله بن حَنْبَل إمامكم قَرَأَ
على الشَّافِعِي، وَأَنه كَانَ يثني عَلَيْهِ إِلَى أَن مَاتَ، وَأَنه كَانَ
يسْتَغْفر لَهُ، وَيَقُول: مَا عرفنَا تَأْوِيل الْأَحَادِيث حَتَّى ورد هَذَا
الْحِجَازِي، وَأَنه مَشى إِلَى جنب بغلة الشَّافِعِي إِلَى غير ذَلِك؟
فَقَالَ: إِنَّمَا فعل ذَلِك لأجل مَا كَانَ يَعْتَقِدهُ من مَذْهَب الْأَشْعَرِيّ،
فَقلت: وَمَا صنع الْأَشْعَرِيّ حَتَّى يسْتَحق مُعْتَقد مذْهبه أَن يفعل
الْمُنْتَقل عَنهُ مثل هَذَا؟
فَقَالَ: إِنَّه كَانَ لَا يَقُول بالحرف وَالصَّوْت وَهِي بِدعَة، فَقلت
لَهُ: أوتزعم أَن القَوْل بالحرف وَالصَّوْت لَيْسَ ببدعة؟
قَالَ: نعم، قلت: محَال لِأَنَّهُ لم يرد عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ
وَسلم وَلَا أحد من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ أَنه قَالَ بِهِ، وأصل الْبِدْعَة
قَول مُحدث لم يقل بِهِ الْحَد الأول فَإِن زعمت أَن الْأَشْعَرِيّ ابتدع هَذَا
القَوْل فَهُوَ يزْعم أَنكُمْ ابتدعتم هَذَا القَوْل، وَلَيْسَ هَهُنَا تَرْجِيح
صرتم إِلَيْهِ أولى بِالْحَقِّ مِنْهُ بل التَّرْجِيح فِي حيزه لمعاضدة الْعقل
إِيَّاه بالبديهة إِلَّا أَن تكابروا فَإِن كابرتم وأصدرتم ألزمتم أَن تتبروا من
البُخَارِيّ وَمُسلم صَاحِبي الصَّحِيحَيْنِ فَإِنَّهُمَا كَانَا يَقُولَانِ مَعَ
كثير من عقلاء أَصْحَاب الحَدِيث: لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوق، وَهَذَا
مَشْهُور عَنْهُمَا ،وخبرهما فِي ذَلِك مُتَعَارَف لَا يجهله إِلَّا من لَا خبْرَة
لَهُ بأخبار النَّاس؟ فَلم يكن عِنْده غير السُّكُوت وحكمت على الشَّيْخ ابْن
نَاصِر الْجَهْلِ وَقلة الْعقل والتصور، وَعظم التهور.
وَمِمَّا بَلغنِي من جَهله وَقلة عقله أَنه أَرَادَ ذمّ أبي بكر الْخَطِيب
صَاحب التَّارِيخ فضاقت مسالك الذَّم عَلَيْهِ فَقَالَ: إِنَّه كَانَ فَاسِقًا
يعشق وَالِدي، وَكَانَ وَالِدي يلازم صحبته لذَلِك وَيكثر فَوَائده فَمن هَهُنَا
قيل: عَدو عَاقل خير من صديق جَاهِل"5/72.
قلتُ: ميل ابن ناصر على الخطيب معروف ذكره العلماء، أما آخر القصة فلا أدري
ما وجهه، و المقصود أنه اشتهر عنهم التشدُّد في السُّنَّة حتى يخرج بعضهم إلى
الغلوِّ المذموم.
وكذلك ذكر الذهبي و غيره حكاية أبي حاتم خاموش،قال : ( وَحِكَايَةُ شَيْخِ الإِسْلاَمِ مَعَهُ مَشْهُوْرَةٌ لَمَّا قَبَضَ
عَلَيْهِ بَعْضُ الجُفَاةِ، وَحَمَلَهُ إِلَى أَبِي حَاتِمٍ، وَقَالَ: إِنَّ هَذَا
ذَكَرَ لَهُ مَذْهَباً مَا سَمِعْتُ بِهِ، قَالَ: هُوَ حَنْبَلِيٌّ. فَقَالَ:
دَعْهُ وَيْلَكَ! مَنْ لَمْ يَكُنْ حَنْبَلِيّاً، فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ. ) "سير الأعلام"،13/252.
علَّق الذهبي: " قدْ كَانَ أَبُو حَاتِمٍ أَحْمَدُ بنُ الحَسَنِ بنِ
خَاموش صَاحِبَ سُنَّةٍ وَاتِّبَاع، وَفِيْهِ يُبس وَزعَارَة العَجَم، وَمَا
قَالَهُ، فَمحَلُّ نَظَرٍ. "
كان الأولى بالذهبي أن
يغلظ له القول إلى أقصى حدٍّ فإن ما تفوَّه به جرم عظيم في حقِّ المسلمين لا أن يقول،"
فمحل نظر"، أي نظر في تكفير سائر المذاهب الإسلامية !؟
تأوَّل ابن رجب ـ رحمه
الله ـ هذه الكلمة تأويلا بارداً فيه تعصُّب ظاهر، فقال: " وإنما عُني أَبُو حاتم في الأصول " ذيل طبقات
الحنابلة، 1/120.
قلتُ: الرجل الذي ألقي
عليه القبض لم يُسأل عن عقيدته، ولكن عن مذهبه، و في عرف الناس هذا سؤال لا يتناول
العقيدة، ثم من أين لابن رجب أن غير الحنابلة ليسوا مسلمين في الأصول..؟
وهل يكون الرجل مسلما أو
كافراً في غير الأصول؟
نقل ابن تيمية كلام القاسم بن عساكر في كتابه " تكذيب المفتري" :
(وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَلَمْ يَزَلْ فِي الْحَنَابِلَةِ طَائِفَةٌ تَغْلُو فِي
السُّنَّةِ وَتَدْخُلُ فِيمَا لَا يَعْنِيهَا حُبًّا لِلْحُقُوقِ فِي الْفِتْنَةِ
وَلَا عَارَ عَلَى أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْ صَنِيعِهِمْ وَلَيْسَ
يَتَّفِقُ عَلَى ذَلِكَ رَأْيُ جَمِيعِهِمْ، وَلِهَذَا قَالَ أَبُو حَفْصِ بْنُ
شَاهِينَ وَهُوَ مِنْ أَقْرَانِ الدَّارَقُطْنِيِّ مَا قَرَأْته عَلَى عَبْدِ
الْكَرِيمِ بْنِ الْحَضَرِ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْكِنَانِيِّ حَدَّثَنِي أَبُو
النَّجِيبِ الْأُرْمَوِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ قَالَ سَمِعْت
ابْنَ شَاهِينَ يَقُولُ: رَجُلَانِ صَالِحَانِ بُلِيَا بِأَصْحَابِ سُوءٍ جَعْفَرُ
بْنُ مُحَمَّدٍ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ.) الفتاوى الكبرى،6/660
ولم يعلِّق عليه ، أظن لأن قوله :(
ولا عار على أحمد ـ رحمه الله ـ من صنيعهم، وليس يتفق على ذلك جميعهم) صحيح للغاية،
و إن كانوا قد تأثَّروا بتشدُّده في قضايا الكلامية إلا أنه كان من أشدِّ الناس
نهيا عن الفتن خاصَّة التي تؤدِّي إلى انحلال النظام كالتي كانت تقع ببغداد.
وقد قرأتُ لأحد الشيوخ السعوديين
المعاصرين أظنه في مقدمته لـ"شرح الطحاوية" ،لا أذكر بالضبط لبعد العهد
أنه قال ما مفاده: المذهب الوحيد الذي لم ينتسب إليه المبتدعة،هو مذهب الحنابلة،
ونسي الاتحادية و المفوضة و المؤولة و غيرهم في الحنابلة.
وقد شهدت السنوات
الأخيرة عدة أحادث تدل على تضايق بعض الحنابلة من الفقه المخالف لهم،فما إن يرجِّح
أحدهم مسألة على خلاف تقريراتهم حتى يلقى التضييق و المحاربة تحت ذرائع شتى
كالفتنة، كما وقع لغير واحد منهم.
لهذه الأسباب و لأخرى
دقيقة كتعدُّد الرواية عن الإمام أحمد بحيث كثرت وفاقت ما كان في المذاهب الأخرى،ولم
يجب عنها أئمتهم جوابا كافيا شافيا رغم جهود ابن تيمية و ابن القيم في "
إعلام الموقعين" وغيره، قال ابن القيم: ( ومن أصول أحمد الأخذ بالحديث ما وجد إليه سبيلا فإن تعذر
فقول الصحابي ما لم يخالف فإن اختلف أخذ من أقوالهم بأقواها دليلا، وكثيرا ما
يختلف قوله عند اختلاف أقوال الصحابة فإن تعذر عليه ذلك كله أخذ بالقياس عند
الضرورة وهذا قريب من أصول الشافعي بل هما عليه متفقان)،"بدائع الفوائد"،4/32.
فلعل سبب ذلك توقفه في المسائل إذا اختلف فيها الصحابة فيعتقد أصحابه أن
حكايته لتلك الأقوال المختلفة روايات له؟
وربما موقفه من القياس، فلم يشتهر
به، و إن قال فيه بعض الكلمات، و اجتهد أتباعه فيه من بعده قد كان له نوع أثر عند
العلماء.
ثم التشويه الباطل الذي
لحق الحنابلة، و الذي مارسه خصومهم من الأشعرية بسبب عقيدتهم من أنهم مجسمة ومشبهة
و حشوية كان له الأثر البالغ في انحسار مذهبهم.
فالأسباب كثيرة و متعددة
قد أشرتُ إلى أهمها، بعضها منهم، و بعضها من خصومهم لكن الانطباع العام لدى الناس
أن فيهم شدَّة زائدة عن اللزوم.
هناك مسائل أخرى أتركها
للمقال الخاص بمظاهر تشدُّد السلفيين في العقيدة و الفقه و السلوك،و إن كان
المستدرك به على الحنابلة هو نفسه على بعض السَّلفيين يعني: تشدُّد بعض أئمة السُّنَّة
قديما ظنوا أنه دين ثابت لا يدور على المصلحة و المفسدة فيلتزمون به في كل
الأحوال، وقبله أشرح باختصار أسباب التشدُّد كظاهرة عامة في التاريخ الإسلامي، وهل
بتقليد السَّلف في تشدُّد بعضهم نحقِّق منهجهم و مقاصده : الحفاظ على نقاء الدين؟
الجزائر/ أرزيو؛ في يوم 27/04/2015م الموافق لــ
9 رجب1436هـ
مختار
الأخضر طيباوي
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)
الاستهلال
نبذة عن العلمانية د. إسماعيل محمد حنفي أولاً: مفهوم العلمانية(1): العلمانية في الحقيقة تعني إبعاد الدين عن الحياة أو فصل الدِّين عن ا...
المشاركات الأكثر مشاهدة
-
ترجمة الشيخ محمد بن حاج عابدين الكنتي هو العلامة الشيخ محمد بن الشيخ اللغوي المقرئ الحافظ المحدث الفقيه المجاهد حاج عابدين بن الع...
-
قصة قصيرة (الحلقة 7) لا أريد زوجة محجبة... ...لا أريد زوجة متبرجة! د: يزيد حمزاوي ...جاء اليوم الكبير...الأربعاء الذي انتظره محمد ...
-
تشدُّد الحنابِلة... الأسباب و الحقائق قال ابْنُ شُبْرُمَةَ: " مَن بَالغَ فِي الخُصومَةِ أَثِمَ، وَمَنْ قَصَّرَ فِيْهَا خصمَ...
-
قصة قصيرة (الحلقة 10 والأخيرة) لا أريد زوجة محجبة... ...لا أريد زوجة متبرجة! د: يزيد حمزاوي ... استمر مؤتمر الأمم المتحدة يومي...
-
قصة قصيرة (الحلقة 8) لا أريد زوجة محجبة... ...لا أريد زوجة متبرجة! د: يزيد حمزاوي ...حمدت عائشة الله على طلاقها وسجدت شكرا...
-
مختار الأخضر الطيباوي ماذا تمثل الأعياد..؟ دور العيد الاجتماعي هو تقوية الانسجام والتماسك الاجتماعي، تقوية الانتماء الرمزي لجماعة....
-
مقالة في الفرق بين التمدن والتحضر حسن محسن رمضان تواجه المجتمعات العربية والإسلامية إشكالات متعددة على مستوى تفاعلاتها مع المجتمع...
-
الملح والسكر ...منشور ساخر !!! الأستاذ:: بن جدو بلخير - حاسي بحبح - الجلفة. كليلة : ما تقول في الملح والسكر يا دمنة؟ أجاب دمنة : م...
-
حرزالله محمد لخضر: جامعة محمد خيضر بسكرة – الجزائر اللغة العربية والأمازيغية: بين المقاربة الابستيمولوجية والص...
