بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 12 يناير 2019

قصة قصيرة (الحلقة 3) لا أريد زوجة محجبة... ...لا أريد زوجة متبرجة!

قصة قصيرة (الحلقة 3)
لا أريد زوجة محجبة...
...لا أريد زوجة متبرجة!

 د: يزيد حمزاوي
... ذات ليلة عندما أخلد الزوجان إلى فراشهما... أراد محمد استغلال تلك الفرصة العاطفية والحميمية ليقنع عائشة بما لا تريد، ويغير موقفها من لباسها بما لا يمكن... فعادة ما يستسلم الناس في تلك اللحظات لوساوس الشريك فيقبلونها، كأنهم في حالة سُكر وتنويم مغناطسي، وإذا استفاقوا يكون الأمر قد مضى وانقضى.
قال محمد لزوجته بصوت ساحر... وهو أستاذ علم النفس، فقد درس أساليب الإقناع، وطرق التأثير في العقل الظاهر والباطن: يا عائشُ! والله إني أحترم تدينك...وأنا ما تزوجتك إلا لمحافظتك على الصلاة والصيام والأخلاق...
فقاطعته كأنها وجدت ثغرة في كلامه: الحمد لله أنك اعترفت بسبب اختيارك لي، لقد كان من الوهلة الأولى لتديني... لكنك انقلبت رأسا على عقب منذ وطأت أقدامك ذلك البلد الإباحي المنحل... تنكّرت لكل القيم والفضائل، وصار حجابي شغلك الشاغل، والعقبة الكؤود التي تحول دون سعادتنا في زعمك.
كان جوابها استعاذة من وسوسته السيكولوجية... لكنه لم يستسلم... فهو يعلم من نظرياته أن ثمة من البشر من يملك "ميكانزمات" دفاع نفسية قوية، وصلابة كامنة أكثر من غيره، فعاود هجومه الساحر... وقد مدّ أصابعه ليلعب بخصلة شعرها، ويتحسس على خدها الناعم، وهو يكاد يتوسلها بكلمات منمقة مزوقة... اختارها على عناية من كتب الرومانسية التي دأب عليها في غربته: يا حبيبتي.. يا أجمل وردة شممتها!.... ليس التدين في الحجاب، وليست العفة في قطعة قماش سوداء قاتمة تغطين بها هذا الخد الرقراق، وهذا الثغر الباسم، وهذه العيون الناضرة الساحرة...هل منحك الله هذا الجمال لتخفيه؟ وأنعم عليك بهذا الحسن لترديه؟ وهل حباك بهذا النور لتطفئيه؟ ومتى كان اللباس الأنيق و"الموضة" الجديدة والوجه المكشوف مرادفا للعهر والفجور، فلا تخلطي الأمور.
يا أغلى محبوبة! تعلمين أن العفة في الروح… في النفس… في القلب… وليس في جلباب مظلم، وخِرق مكدسة على جسمك الذي وهبك الله إياه، والذي تُصِرين على تكفينه... إنه هو والكفن سواء، بل الكفن أفضل منه، فعلى الأقل لونه أبيض و كفنك أنت أسود.
عائشة: لقد أصبحتَ تخيفني بتفكيرك، فهذا كلام لا يتلفظ به إلا الملحدون، ولا يثرثر بمثله إلا الكافرون... هل تُنكر أن الحجاب من الدين وفرض من رب العالمين!؟
نحى محمد السيكولوجية جانبا وهو يصرخ: افهمي.. افهمي.. افهمي.. وضعي لا يسمح أن تكون زوجتي محجبة...حجابك يحول دون سعادتنا...ألا ترين كم بتُّ بسببك قلقا متوترا... أنا دكتور الأمراض النفسية وحجابك يدفعني إلى الجنون، وأتوقع قريبا أن أصبح زبونا لدى المشافي والعيادات...ألا تشفقين علي؟ هل تكرهينني؟ هل أنت "سادية" تتلذذين بآلامي وأوجاعي؟
أبعدت عائشة رأسها من يده وهي تقول: لو كان الأمر كذلك لماذا تزوجتني من البداية؟.. لماذا لم تختر فلانة جارتك، وعلانة قريبتك.... صاحبات الصدور العارية والسراويل المضغوطة على السيقان والأفخاذ... التي تكاد تتمزق عند أو خطوة... أو تُوقِف سريان الدم في عروقهن!!، ..يبدو لي أن الأمر كان خدعة...لقد تزوجتني لتُفسد علي ديني، وتفرض نظرتك المنحرفة نحو العفة والطهارة والشرف...لو كنتَ أفصحتَ عن تلك الترهات أمام أبي وأعمامي، يوم خطبتني لكانوا طردوك من البيت واقفلوا في وجهك الباب... بل كانوا فضحوك في القرية فتصير كالمنبوذ فيها...حسبي الله! لقد خدعتنا جميعا...
محمد وهو يرفع صوته أعلى من صوتها: اخترتك بالحجاب لأنني كنت كغيري من المسلمين ظننته من الدين، وحسبته "تابو من التابوهات" لا يجوز مسه أو نقده...كنت أعمى ككل الرجال والنساء في بلادنا، لكنني لما سافرت ورأيت ما في الغرب انجلى الغبار عن عيني، اكتشفت أننا نعيش في قُمقُم لا نرى إلا جدرانه الداخلية...
يا عائشة! يجب أن تدركي أن النساء بلا استثناء يرفضن الحجاب، ولا يرغبنّ في دفن أنفسهن أحياء... لكنهنّ لا يجرأن على التمرد، لقد غلبهن الرجال... وثقافة الذكور هي التي شرعت ما يستعبدهن... وهن بغباوة يعتقدنّ أن ذلك التشريع كان لصالحهن... فهنّ يقدسن فتاوى فقهاء شهوانيين جنسيا... وما فقه أولئك الشيوخ المتأسلمين إلا صدى للشبق المكبوت بين ثناياهم، ولو أنهم ما نظروا للمرأة كشهوة ما غطوها، ولا حبسوها مع الحريم في الدُور والقصور.... اعلمي أن الحجاب عادة بدوية لا أكثر... تقليد صحراوي من أزمنة الجمل والناقة...
وإذا اخترت أن تعيشي كما عاشت جداتك في الكهوف فأنا لن أقبل....نحن أسرة واحدة، وكل شيء يخصنا نناقشه ونتحاور فيه، بما فيه لباسك داخل البيت وخارجه.
وكأنه تعب من التحليل والمناورة... سكت محمد هنيهة ثم وثب إلى هجومه: طال الزمان أو قصُر سأجد حلا لهذا المشكل الذي تسمينه حجابا...وسأصل إلى شفائك من هذا المرض بل الوباء.
فشل الكلام الحميمي... وفشلت معه السيكولوجية... وأخفقت وساوس المستشرقين والمستغربين، التي طالما ردّدها في محاضراته...، فقد أنهت عائشة تلك الجلسة الحميمية بل الجحيمية بقولها: تُصبح على خير، غلبتني عيني، وأريد أن أنام، غدا عندي إن شاء الله شغل كثير... علي نزع ستائر البيت وغسلها...
قهقه محمد وبدأ يخاطب نفسه كالمهلوس: هههههههههه..... أنا أكلمها عن نزع حجابها ونقابها...هههههه وهي تكلمني عن نزع الستائر..هههههه...مع من أتحدث؟ يبدو أنني تزوجت صخرة لا تُحس ولا تفكر....ماذا في رؤوس هؤلاء الحمقى المتعصبين!!؟
أطفأ محمد المصباح، وانسل تحت اللحاف.... فقد خسر معركة الاستنزاف....لكنه هل سيعلن انتهاء الحرب؟....

,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,.(يتبع)
توقيع: د يزيد حمزاوي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الاستهلال

نبذة عن العلمانية د. إسماعيل محمد حنفي أولاً: مفهوم العلمانية(1): العلمانية في الحقيقة تعني إبعاد الدين عن الحياة أو فصل الدِّين عن ا...

المشاركات الأكثر مشاهدة