بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 12 فبراير 2019

قصة قصيرة (الحلقة 10 والأخيرة) لا أريد زوجة محجبة... ...لا أريد زوجة متبرجة! د: يزيد حمزاوي

قصة قصيرة (الحلقة 10 والأخيرة)
لا أريد زوجة محجبة...
...لا أريد زوجة متبرجة!
د: يزيد حمزاوي

... استمر مؤتمر الأمم المتحدة يومين آخرين...ولم تكن الصدمات قد توقفت...فقد قدّم مندوب الوفد البرازيلي اقتراحا لتشريع زواج المثليين، وفرض عقوبات على كل من يعترض على حريتهم الجنسية، ويمنعهم حقهم في اختيار ما يريدونه من شركاء في الزواج...كان الاقتراح صادما لنوال ومحمد...فكيف لمسلم، مهما بلغ من انحراف ومعاداة لقيمه، أن يقبل بارتباط رجل برجل وامرأة بامرأة!!!؟
وفي اليوم الثالث...صُعق الزوجان لما سمعا في إحدى القاعات الجانبية رئيسة الوفد الدانمركي، تفتخر بأن بلادها شرّعت زواج مواطني بلادها بالحيوانات...وذكرت أن عرس شابة عشرينية مع كلبها المحبوب سيُدشن تلك المفخرة الدنمركية، التي تريد تعميمها على أجناس وشعوب العالم قاطبة!!
...رُبّ ضارة نافعة...كان ذلك المؤتمر القشة التي قصمت ظهر البعير... والقطرة التي أفاضت الكأس...عاد الزوجان إلى مدينتهما...وهما في حال حزن من الاهانات التي تعرضوا لها... وفاقمت تلك الشذوذات الجنسية التي ينصبها الغرب نموذجا عالميا من تلك الجروح الغائرة... ليلة المغادرة طار النعاس عنهما....لكنهما لم يتلفظا ببنت شفة...قضيا الوقت في تقليب الأمور في التفكير والتدبر... وكذلك في الطائرة ساد الوجوم والتأمل في مصير هذا النضال الحقوقي الذي ظهر على حقيقته، وبانت نواياه، وانكشف مآله... ذلك الصراع الذي يصب في مصلحة المتعالين والمتعجرفين... على حساب المسلمين الذين ينظر إليهم على أنهم عبيد من الدرجة العاشرة.
وصلا إلى منزلهما، ولم يتعشيا كعادتهما...استلقيا على فراشهما... ثم أطفأ محمد النور وقال: طوال هذه المدة، كنا نكذب على أنفسنا...الغرب لا يهمه في المرأة سوى تعريها وخلع قيمها، وتحويلها إلى كائن غريزي لا يختلف عن الحيوان... وأخشى ما أخشاه أن نصبح مثلهم.
نوال: لقد أصبحنا فعلا مثلهم...حتى نحن بتنا مستسلمين للغريزة، ونزعم الارتقاء في رؤيتنا للأنثى والذكر والعلاقة بينهما...وأفضل مثال على ذلك ما نحن فيه...ولا أريد إن أخفي عنك، فقد جاءني قاسم الأسبوع الماضي لما كنتَ في عملك، أدخلته البيت لتناول فنجان قهوة.. فإذا به يراودني عن نفسي، وأراد بي الفاحشة... فوجئ بصفعة على وجهه، وطردته من البيت... وكان فَعَل ذلك قبله لطفي زميلنا الحقوقي... مدّ يده إلي بلا حياء في مكتبه...صفعته هو الآخر..ماذا يظنون بي هل أنا عاهرة على قارعة الطريق!؟
محمد: إنهم أنذال...حسبتهم أصدقاء أوفياء، لكنهم وحوش تعطي دروسا عن جوهر المرأة وقيمتها المعنوية... ويذمون الإسلاميين الشهوانيين بزعمهم... فإذا بهم هم الشهوانيون....على الأقل الملتزمون شهوانيون في الحلال...أما هم فذئاب خبيثة لا تفكر إلا في غريزتها...ظننتهم كما كانوا يزعمون أصحاب فكر ناضج وحكمة بالغة، يتفلسفون في الدفاع عن جوهر المرأة لا شكلها، والواقع أنهم لا يريدون سوى الوصول إلى سوءتها وعورتها...
نوال: لقد تعبت من كل هذا... أريد أن أتغير...بالحقيقة أصبحت أحسد عائشة وأغار منها...ليتني كنت هي...لم أعد أجد معنى لحياتي في هذا الانحدار الذي نسير نحوه... والسقوط في هذه الهاوية المخيفة التي ننزل إلى قعرها.
محمد: سنناقش كل هذه الأمور لاحقا....النعاس يغلبني، وغدا سأزور والدتي، لقد اشتقت لها، فهي تعاني من ارتفاع ضغط دمها..وتنتظرنا للغداء.
نوال: ممتاز، أنا كذلك أريد أن أزورها.
استسلم الزوجان للنوم.. وعند الضحى أعد محمد نفسه...ويبدو أن نوال تأخرت كعادة النساء في تجهيز نفسها للخروج من البيت...وقف محمد عند الردهة...فإذا به يلمح شبحا أسود..أدخل أصابعه في عينه فمسحهما...ثم صاح: عائشة!
التف الشبح وقال: أنا نوال، ولست عائشة...
لقد ارتدت نوال خمارا وحجابا أسود كالذي تلبسه دوما عائشة...لذا حسبها هي... لم يصدق ما يراه... ها هي نوال لأول مرة في حياتها تتحجب استعدادا للخروج من المنزل..
نوال: هل أعجبتك؟ من أجمل بالحجاب أنا أم عائشة؟
سكت ولم يجد ما يقوله...لقد كانت عائشة ملكة جمال المحجبات...ولا تقِل نوال عنها سحرا وحسنا...فمن سيختار؟ وبم سيجيب؟...فالأجوبة في هذه المواقف المحرجة قد تكون مدمرة...حينها هداه قلبه وعقله للإجابة فردّ: كل المحجبات جميلات...
رضيت نوال بتلك الإجابة الدبلوماسية...وهي تعلم ما يحمل قلب زوجها لها من حب وإعجاب...فُتح الباب وخرجت إلى الشارع وقد أعادت لها فطرتها بلا تكلف مشية الاستحياء التي فقدتها ثم ولجت السيارة.. وفي طريقهما إلى بيت الوالدة تحدث محمد مع نوال عن حياته قبل زواجه بعائشة... ومع أنه لم يكن حينها شديد الحرص على أداء واجباته الدينية، إلا أنه كان محافظا وفخورا بقيم الإسلام وهويته...ثم كيف انتكس يوم سافر إلى فرنسا، ووضع قدمه في جامعة السوربون الباريسية...
اعترف لأول مرة قائلا: لقد خُدعت بتلك الترهات، وذهبت بعيدا في معاداة الشريعة، والدعوة إلى السفور والتبرج، بل ونقد أحكام شرعية راسخة في الميراث والأسرة وغيرها... آن الأوان لتعود المياه إلى مجاريها...صحيح أن بعض الرجال بجهلهم وتعصبهم وسوء أخلاقهم واتباعهم لأعراف اجتماعية بالية، يهينون المرأة ويحرمون النساء من حقوقهن، لكن الشريعة لا تأمرهم بذلك، بل تحثهم على تكريمها وضرورة الاعتناء بحقوقها مجتمعة.
نوال: نعم لقد خدعنا الغزو الثقافي، وبتنا مقلدين للغرب في حلوه ومره... خيره وشره...حتى أضحينا مسخا لا مسلمين بقينا ولا غربيين صرنا..
محمد: أريد أن أكفر عن نفسي...أملي أن أنصر ديني وشرعي الذي خذلته وحاربته...حتى إنني بسبب غفلتي وتهوري وحماقتي ظلمت زوجتي سنين عديدة وطلقتها بلا جريرة ولا علة.
نوال: سأساعدك وأكون بجانبك...كن في صف المسلمين لا أعدائهم...وكما كنت مناضلا عن حقوق المرأة بالباطل...فهذه فرصتك لتكون مناضلا من أجلها بالحق...اشرح للناس أنك كنت مخطئا وبين لهم الصواب...وليكن إرضاء الله غايتك.
نزلت تلك الكلمات كالبلسم على قلب محمد...لقد آن الوقت ليصير داعيا إلى قيم الإسلام النبيلة والعفيفة والطاهرة في موضوع المرأة...فكر هنيهة ثم قال: لقد كان مصدر دائي هو السوربون في باريس...يجب أن أغزوهم في عقر دارهم وأرد عليهم الصاع صاعين..
رفع سماعة الهاتف واتصل بلويس زميل دراسته الفرنسي، الذي أصبح رئيسا لجامعة السوربون.
محمد: مسيو لويس.. مساء الخير...أنا محمد...كيف أخبارك يا صديقي؟
لويس بانتيون: مساء الخير... أين أنت يا محمد!...اشتقنا إليك كثيرا.
محمد: تعرف مسؤولياتي في الجامعة وخارجها.
لويس بانتيون: تنتظر جامعتنا استجابتك منذ شهور على دعوتنا لك لإلقاء سلسلة محاضرات فيها.
محمد: اتصلت بك من أجل هذا الأمر خاصة...أريد أن ألقي السلسة المتفق عليها قريبا جدا.
لويس بانتيون: أخيرا..وافقت...مرحبا بك في جامعتك.
محمد: أشكرك على ترحبيك... نعم وافقت، لكن يوجد بعض التغيير في البرنامج، ستكون سلسلة محاضرات أتناول فيها تكريم الإسلام للمرأة.
لويس بانتيون: لقد فاجأتني...وهل يكرم الإسلام المرأة؟
محمد: نعم، أنا متيقن بذلك.
لويس بانتيون: نحن لن نعترض على شيء مما ستقول، فسمعتك العلمية لا يشكك فيها أحد...لكنك تعرفنا، وقد درست هنا، تهمنا المنهجية العلمية في الطرح، والمعلومات الموثوقة، والأدلة المقنعة.
محمد: لا تقلق فهذا هو دوري...اعتمد علي في ذلك...الأسبوع الثاني من شهر مارس سأكون عندكم، وسأبدأ بأول محاضرة من السلسلة.
لويس بانتيون: ممتاز، سننتظرك بشغف، أتمنى لك النجاح فيها...دعني أودعك الآن ...مع السلامة.
محمد: أشكرك صديقي العزيز... مع السلامة.
لويس بانتيون: يا محمد...محمد...نسيت قبل أن تضع الهاتف...هل يمكن أن أعرف عنوان محاضرتك الأولى؟
محمد: بالطبع...سيكون عنوانها: "لا أريد زوجة متبرجة" (انتهى)
توقيع: د يزيد حمزاوي

هناك تعليق واحد:

  1. قصة من عشرة حلقات ، هادفة رائعة ، بارك الله في صاحبها .

    ردحذف

الاستهلال

نبذة عن العلمانية د. إسماعيل محمد حنفي أولاً: مفهوم العلمانية(1): العلمانية في الحقيقة تعني إبعاد الدين عن الحياة أو فصل الدِّين عن ا...

المشاركات الأكثر مشاهدة