بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 15 فبراير 2019

من أعلام الشافعية في الأندلس : الأمير الفقيه الذبيح عبد الله ابن الناصر د/ محمد حاج عيسى - الجزائر العاصمة.

من أعلام الشافعية في الأندلس : الأمير الفقيه الذبيح عبد الله ابن الناصر
د/ محمد حاج عيسى - الجزائر العاصمة.
من أعلام الشافعية في الأندلس الأمير أبو محمد عبد الله ابن الخليفة عبد الرحمن بن محمد بن الحكم المعروف بالناصر أبي المطرف، ثامن خلفاء بني أمية في الأندلس 
   قال عنه ابن حزم في الجمهرة: كان شاعراً، فقيهاً على مذهب الشافعي"، وعنه في الجذوة أنه: كان فقيهاً شافعياً شاعراً إخبارياً متنسكاً، وحلاه بهذه الأوصاف ابن السبكي في طبقات الشافعية (3/ 309).وقال ابن الابار في التكملة (3/11 ط بشار):" وَكَانَ فَقِيها شافعيًا إخباريًا متنسكًا بَصيرًا بِلِسَان الْعَرَب رفيع الطَّبَقَة فِي الْأَدَب ومعرفته ضَارِبًا بأوفر سهم فِي اللُّغَة ذَاكِرًا للْخَبَر مطبوعًا فِي صوغ القريض وتصنيف كتب الْأَدَب". ووصفه ابن عذاري بالعلم والذكاء والنبل .
  أخذ العلم عنْ مُحَمَّد بْن مُعَاوِيَة الْقُرَشِيّ وَالْحسن بْن سعد وَعبد اللَّه بْن يُونُس وقاسم بن أصبغ ومسلمة بن قَاسم وَمُحَمّد بن عبد الْملك بن أَيمن وَمُحَمّد بْن مُحَمَّد بْن عَبْد السَّلام الْخُشَنِي وَأحمد بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الْبر وَأحمد بن مُحَمَّد بْن قَاسم وَغَيرهم..كما في التكملة
  من مؤلفاته "كتاب العليل والقتيل فِي أَخْبَار بني الْعَبَّاس" يقع في عدة مجلدات وصل فيه إِلَى خلَافَة الراضي ابْن المقتدر، ومنها "المسكتة" فِي فَضَائِل بَقِي بْن مخلد يقع في ستة أجزاء حدث به عنه مسلمة بن قاسم ..ومؤلفاته شاهدة بحسن فهمه وسعة علمه وشرف ذاته وكمال ادواته كما قال ابن الأبار ..ومما نقل عنه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله رده لما رواه مُحَمَّد بْن وضاح عن يحيى بن معين أنه قال الشافعي ليس بثقة، وقد ذكر عبد الله ابن الناصر أَنَّهُ رأى أصل ابْن وضاح الَّذِي كتبه بالمشرق وَفِيه سَأَلت يَحيى بْن معِين عنْ الشَّافعيّ فَقَالَ هو ثِقَة .
 وكان عبد الله محبا للعلم مكثرا من مجالسة العلماء ومقربا لهم، وكان العلم هو شغله الشاغل ، كما كان آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، ينكر على الأمراء وغيرهم وذكر ابن حزم أنه كان ينكر على والده سوء سيرته وجوره، ولا شك أن من كانت هذه حاله يكون محبوبا لدى العامة مفضلا على غيره .
  وكان لعبد الله أحد عشر أخا أكبرهم هو الحكم الملقب بالمستنصر وكان ولي عهد والده وكان مشتغلا بالعلم هو الآخر وذكر ابن حيان أنه كانت بينهما منافسة في طلب العلم وجمعه وإدناء أهله وكان الحكم مالكيا في الفقه ، وقد نقل عنه ابن حزم أنه أنشأ في خلافته مكتبة عرفت بخزانة العلوم، كان عدد الفهارس التي تحوي تسمية الكتب أربع وأربعون فهرسةً، في كل فهرسة خمسون ورقة ..ومن إخوته عبد العزيز الذي قيل إنه كان حنفيا فكان من العجائب أن يكون في بيت واحد ثلاثة مذاهب، وكان عبد العزيز هذا من أهل اللهو ولم يترك شرب الخمر إلا بعد تشديد النكير عليه من أخيه عبد الله.
   ثم إنه في سنة 338 وقعت بلية لهذا الأمير الفقيه حيث وثب عليه العساكر وتم اعتقاله مع فقهين كان معه في بيته أحدهما الفقيه المحدث المؤرخ أحمد بن محمد ابن عبد البر ، وذلك بتهمة تدبير انقلاب على المالك الناصر وأخيه المستنصر  ..وقد اختلف في حقيقة الواقعة فأما ابن حزم فجعل انكاره لسيرة والده وجوره هو سبب الاعتقال.وقال الضبي:" قتله أبوه بسبب متابعة أكثر الناس له لأدبه وفضله"..وأشار ابن حيان إلى أن ذلك كان نتيجة وشاية وسعي من حاسدين منافسين له وحدد ابن عذاري الواشي بأنه أخوه الحكم ..
   وأما ابن الأبار فجعل سبب قتله منافسته لأخيه الحكم في ولاية العهد ثم قال:"فسعي إِلَى الْخَلِيفَة النَّاصِر لدين الله بِابْنِهِ عبد الله هَذَا وَرفع عَلَيْهِ أَنه يُرِيد خلعه... وَأَن جماعات من طَبَقَات النَّاس دخلُوا فِي ذَلِك مَعَه وَأَنَّهُمْ على أَن يثوروا بِهِ فِي يَوْم عيد قد اقْترب.. فَأرْسل النَّاصِر فِي اللَّيْل بِمن قبض على وَلَده عبد الله وحبسه فَألْفى عِنْده فِي تِلْكَ اللَّيْلَة الْفَقِيه أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الْبر وفقيهاً آخر من أَصْحَابه يعرف بِصَاحِب الوردة وَهُوَ أَحْمد بن عبد الله بن الْعَطَّار، كَانَا بائنين عِنْده فأخذا وحملا إِلَى الزهراء حَضْرَة أَمِير الْمُؤمنِينَ النَّاصِر بِأَسْفَل قرطبة، فَأمر بسجنهما وَعرّف الوزراء بِخَبَر وَلَده عبد الله وكشف لَهُم عَظِيم مَا أَرَادَ أَن يحدثه عَلَيْهِ وعَلى الْمُسلمين فِيهِ وتبرأ مِنْهُ، وأعلمهم بمسارعته إِلَى الْقَبْض عَلَيْهِ ووجدان رسله هذَيْن الفقيهين بائتين عِنْده، وَقَالَ لَهُم مَا أعجب إِلَّا من مَكَان ابْن الْعَطَّار عِنْده مَا الَّذِي أدخلهُ فِي هَذَا مَعَ غباوته وَقلة شَره، وَأما ابْن عبد الْبر فَأَنا أعلم أَنه الَّذِي زين لهَذَا الْعَاق ذَلِك ليَكُون قَاضِي الْجَمَاعَة ".. واعتمد هذا الرأي الصفدي وابن السبكي فقالا إن نفسه سمت إِلَى طلب الْخلَافَة في حَيَاة أَبِيه وأنه بيّت مع أتباعه اغتيال وَالِده وأخيه الْمُسْتَنْصر فكشف أمره، فكان سبب ذلك محنته ونهايته.. وهو معنى ما نقله صاحب المغرب في حلى المغرب أيضا..لكن هذا لا يتفق مع ما وصف به الأمير من علم وعقل وزهد وتنسك والله أعلم بحقيقة الحال.
   وقد لبث في السجن ما يقارب السنة -وعلى قول أكثر من سنة -فأما الفقيه ابن عبد البر فتوفي في رمضان 338، وأما الأمير عبد الله وبقية من سجن معه فصدر في حقهم الحكم بالقتل (الاعدام) لاقتراف جريمة الخيانة العظمى ، وتقرر تنفيذ الحكم في اليوم الثاني من عيد الأضحى سنة 338، وقد تولى تنفيذ الحكم في حق عبد الله الملك الناصر بيديه الذي قَالَ لخواصه يومها :"هَذِه أضحيتى فى هَذَا الْعِيد"، ثمَّ أضجع لَهُ وَلَده وذبحه بِيَدِهِ.. وَقَالَ لأتباعه ليذبح كل أضحيته، فاقتسموا أَصْحَاب وَلَده عبد الله وذبحوهم عَن آخِرهم. وقيل إنما وقع تنفيذ الحكم في آخر سنة 339.. رحمه الله رحمة واسعة..واستمر حكم الناصر الى هلاكه سنة 350 وخلفه ولده المستنصر..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الاستهلال

نبذة عن العلمانية د. إسماعيل محمد حنفي أولاً: مفهوم العلمانية(1): العلمانية في الحقيقة تعني إبعاد الدين عن الحياة أو فصل الدِّين عن ا...

المشاركات الأكثر مشاهدة