بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 23 يناير 2019

قصة قصيرة (الحلقة 6) لا أريد زوجة محجبة... ...لا أريد زوجة متبرجة! د: يزيد حمزاوي

قصة قصيرة (الحلقة 6)
لا أريد زوجة محجبة...
...لا أريد زوجة متبرجة!
د: يزيد حمزاوي

...خرجت عائشة باكرا جدا إلى أحد الأسواق لتقتني مستلزمات حفلة الأربعاء القادم..لم يبق إلا ستة أيام، وهي تريد أن تستعد لها كما وعدت...كما أن في هذه الساعة المتقدمة من الصباح يكون المتجر شبه فارغ، فهي تتجنب الاختلاط بالرجال ما أمكن...وبينما هي تتخلل رفوف المحل، التقت صديقة قديمة لها هي أم أيمن...لم ترها منذ سنوات.. يوم كانت هذه الأخيرة تلميذة عائشة في الحلقات المسجدية...بعد التسليم الحار، وتبادل بعض الأخبار...اقترحت أم أيمن أن تزورها في بيتها بعد صلاة العصر، مصطحبة معها أم زهير وأم سعيد... جماعة الصديقات الملتزمات أيام الشباب والعزوبية...
دق جرس البيت... فتحت الباب... احتضنت عائشة أخواتها، وهي شديدة السرور بلقاء تلك الكوكبة الزاهرة من أخوات المسجد القديمات.. كانت الضيفات الثلاث من تلميذاتها النجيبات والحميمات...
جلسن في غرفة الاستقبال... أحضرت لهن عائشة كعكا وبعض العصير..ثم فتحن الأرشيف...كانت عائشة شغوفة بالعودة إلى التاريخ الجميل لتلك السنوات السعيدة... سنوات العزوبية والدعوة وطلب العلم...سنوات العفة...سنوات صلاة الجمعة والتراويح والتنقل بين المساجد، لحضور الدروس العلمية والدورات الشرعية وحفظ المتون وتلاوة القرآن بأحكامه.
أم أيمن: كم كنا سعيدات بالاستفادة من العلم في تلك المرحلة من العمر!، لم يكن يشغلني لا أيمن بمشاكله ولا أبو أيمن بمطالبه…كنت حرة بلا أعباء.
أم زهير: كانت جلسات المسجد أحب إلينا من سواها، كنا ذوات همم عالية... لقد ضعفنا قليلا الآن من كثرة المسؤوليات الاجتماعية والأسرية... مرات أحدث نفسي: لو ما تزوجت كان أحسن لي...لكن الحمد لله على كل حال.
أم سعيد: يا عائشة! هل تتذكرين لما صدر كتاب الشيخ أبي غدة بعنوان "علماء عزاب" فاقتنيناه وقرأناه في عدة جلسات، ثم صبيحة ختامه اقترحت الأخت نجاة أن نلعب لعبة... قالت: ما رأيكن لو تختار كل واحدة منا عالما من العزاب تحلم أن يكون زوجها...؟
عائشة: ههههه، نعم أتذكر ذلك.. كن ساذجات وشقيات.. 
أم زهير: لكنك خدعتنا جميعا يا عائشة.
عائشة: وكيف خدعتكن!!؟
أم زهير: لقد وافقت على اللعبة بشرط، فكان شرطك أن تكوني أول من يختار...فوافقنا على شرطك...فاخترت شيخ الإسلام ابن تيمية...فوجئنا بالفجيعة لقد كنا جميعا نريده زوجا...لقد خشيت أن تسبقك إحدانا إليه، لكن لا بأس لقد اخترت أنا النووي مات في الأربعين من عمره أعزب رحمه الله.
أم سعيد: أنا اخترت الطبري شيخ المفسرين وحافظ الحديث.
أم أيمن: أما أنا فكان من نصيبي أبو حيان الغرناطي شيخ الأندلس وعالمها... أنا لا أخفي عنكن سرا أظن أن الغرناطي من الأندلس فلا بد -إضافة إلى علمه الغزير ودعوته المباركة- ، أن يكون شابا جميلا ورجلا وسيما....أتذكرين يا عائشة سألتك إحدى الأخوات حينها عن شيخ الإسلام ابن تيمية هل كان وسيما؟
عائشة: نعم أتذكر... 
أم أيمن: سألتك تلك الأخت عن زوجك الافتراضي ابن تيمية، إذا كنت قرأت من سيرته عن شكله وصفاته، فقلت لم يسبق لي أن قرأت عن ذلك،  فقالت تلك الأخت: وماذا لو لم يعجبك شكله الخارجي؟... كان ردك: لقد احتل في عقلي وقلبي مكانة لم يحتلها أحد مثله بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم...سأتزوجه ولو كان محدودب الظهر، منكوش الشعر، قبيح الوجه، ذميم الخلقة...سأكون له نعم الزوجة والرفيقة، وأتشرف أن أصير له خادمة ليزداد معرفة ودينا، فيكثر عطاؤه العلمي، وتتنوع كتبه الفريدة، وأعينه على أعداء السنة من أهل الأهواء والبدع وكل حاقد على الإسلام... ولا أريد أن أكون عبئا عليه بالثرثرة والغيبة والنميمة وكلاّ بطلباتي السخيفة.
أم سعيد: نعم! لم نكن نعبأ كثيرا بالأموال المكدسة، ولا الوسامة الظاهرة، ولا المكانة الاجتماعية، ولا الشهادات العليا، ولا السيارات الفارهة، ولا الفيلات الضخمة، ولا المناصب السامية...كنا نريد أهل العلم والمعرفة والدعوة...يا حسرتاه! تغير الوضع الآن... فكثير من الملتزمات يرغبن في الدنيا قبل الدين، وأكثرهن يخضعن لمعايير المجتمع ويستسلمن لقوانين العادات والتقاليد المادية فحسب..من مهور خيالية ومعادن الذهب والفضة والمسكن والأثاث ومقدم ومؤخر...حتى كاد يعطل الزواج في الوقت الذي تفتح فيه أبواب الرذيلة على مصراعيها...الله المستعان..
أم زهير:.. نحلم بالعلماء، لكننا كنا إذا خرجنا من باب المسجد يوم الجمعة وصلاة التراويح، يقابلنا بعض الشباب الملتزم الواقف عند باب النساء ليتفرجوا علينا، لعلهم يصطادون عروسا من بيننا...كان بعضهم يتظاهر بانتظار قريبة من قريباته بينما المسجد فارغ في الداخل.
ههههههههه...ضحك الجميع وضحكت عائشة...فلم تكن قد ابتسمت منذ أن تزوجت محمدا...لقد أنساها الفرحة والسعادة منذ دخل حياتها...
أم أيمن: أخبرني زوجي أن الشيخ عبد العزيز إمام المسجد حينها، كان يريد أن يتقدم لخطبتك يا عائشة...لكنك تزوجت محمدا، مع أنه لم يكن أفضل من الشيخ الإمام....سمعت أنه ما زال أعزب ويرفض الزواج...لقد سافر إلى مصر والسعودية وموريتانيا، ونال من العلم الكثير، وصار الآن مستشارا في المجمع الفقهي الإسلامي.
أم سعيد: الحمد لله أننا نتكلم بهذه الأشياء بيننا ولا يسمعنا أزواجنا...فهم شديدو الغيرة...ولن يقبلوا أن نتحدث عن الرجال ولو باتوا عظاما نخرة من قرون غابرة.
لما سمعت عائشة كلام أم سعيد عن غيرة الأزواج... اغرورقت عيناها بالعبرات، وأحست بانقباض في التنفس، وتسارعت نبضات قلبها... لقد لامسوا الوجع...ووضعوا السكين على الجرح...فذهب عقلها بعيدا في تفكيرها...وكأن ضيفاتها أحسوا أنها معهم بجسمها دون روحها...
قالت أم زهير: إلى أين أبحرت سفينة خيالك؟...أخبرينا كيف هي غيرة محمد عليك يا عائشة؟
كان السؤال أشبه بدلو من الماء المثلج أفرغ عليها في يوم صائف فاقشعر جلدها...لكنها قمعت انفعالها ووأدته في نفسها وهي تُسكتهن: اصمتن...اصمتن... لو علم زوجي بحكاياتنا القديمة لقتلني لغيرته المفرطة مرتين: واحدة بسبب إمام مسجدنا الشيخ عبد العزيز، وثانية بسبب شيخ الإسلام ابن تيمية.
هههههه...قهقهت الضيفات الثلاث، وقهقهت معهن عائشة بلسانها، وأبت إلا أن تشاركهن فرحتهن بظاهرها، لكنها  كانت في داخلها تبكي وتموت موتات....(يتبع)
توقيع: د يزيد حمزاوي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الاستهلال

نبذة عن العلمانية د. إسماعيل محمد حنفي أولاً: مفهوم العلمانية(1): العلمانية في الحقيقة تعني إبعاد الدين عن الحياة أو فصل الدِّين عن ا...

المشاركات الأكثر مشاهدة