الحداثيون وكرههم للإمام الشافعي وابن تيمية رحمهما الله تعالى- الأستاذ : التهامي بن ساعد [ برج بوعريريج].
##لماذا هذا الهجوم الشرس على شخص الإمام الشافعي ومنهجه وفكره؟ ولماذا يحقدون عليه؟.
الإجابة سنجدها في كلام هؤلاء العلمانيين والحداثيين حين يحددون لنا ما يكرهونه في فكر الشافعي والذي يتمثل في ثلاثة أسباب بحسب د. أحمد قوشتي عبد الرحيم في كتابه "موقف الاتجاه الحداثي من الإمام الشافعي، عرض ونقد"، فالسبب الأول: هو تأسيس الشافعي لمنهج علمي له قوانينه في فهم النص الديني، من خلال استقراء وتحليل منهج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وتابعيهم لقرب عهد الشافعي بعهد الصحابة والتابعين، والمنهج الذي رسخه الشافعي هو اليوم العقبة الكبرى أمام زحف المناهج الحداثية لقراءة النصوص الإسلامية بما يخرجها عن حقيقتها وطبيعتها، لذلك يعترف عبد المجيد الشرفي أن رواج القراءة الحداثية للإسلام لا تتم إلا بـ: "إعادة النظر في المنظومة الأصولية الموروثة عن الشافعي"، ولذلك طرح محمد شحرور بعض تهويماته في كتاب سماه "نحو أصول فقه جديد".
أما السبب الثاني : فهو تأصيل الشافعي وتأكيده على مبدأ عمومية نصوص القرآن والسنة، والتي رسخها النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه ورسخها الصحابة في التابعين، فجاء الشافعي ودوّن ذلك ودلل عليه بمثل قوله تعالى: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" (الأنبياء: 107) وقوله تعالى: "وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ" (الأنعام: 19)، ولأن الوحي الرباني المتمثل بالقرآن الكريم والسنة النبوية هو الرسالة الخاتمة للبشرية كان لازماً أن يكون عاماً للبشرية كلها وللزمان القادم كله حتى يرث الله عز وجل الأرض ومن عليها، وهذا المبدأ هو ما يحاول الحداثيون هدمه بدعوى تاريخية القرآن والسنة وأنه ما جاء إلا لمرحلة زمنية محددة ولأهل الجزيرة العربية حتى يتمكنوا من ترويج الفلسفات العصرية العلمانية والحداثية، برغم تعارض هذه الفلسفات وتنازعها وفشل كثير منها في الواقع وتسببها بالعديد من الكوارث الرهيبة كجرائم النازية في أوربا وإبادة الملايين في الصين باسم الثورة الثقافية وقتل مئات الملايين في روسيا من أجل ترسيخ الشيوعية وفلسفتها الماركسية، وفي العصر الحاضر تفككت الأسرة وانتشرت أمراض الكآبة والوحدة بسبب فلسفات الفردية والمادية والحداثة وما بعد الحداثة.
أما السبب الثالث للكره الحداثي والعلماني للشافعي فهو تركيز أقطاب الحداثة والعلمانية على هدم وتقويض مؤسسي العلوم الشرعية لهدم كل المنظومة العلمية الشرعية التي تمنع المشروع العلماني الحداثي من التقدم في المجتمع الإسلامي إلا بالتحالف مع السلطوية المستبدة أو القوى الدولية الخارجية الإمبريالية!
ولذلك يستهدف منظرو الحداثة والعلمنة هدم ونبذ الشافعي، مؤسس علم أصول الفقه، والبخاري صاحب أهم كتاب في السنة النبوية، وسيبويه كأهم أعمدة فهم اللغة العربية، ليكون الإسلام والدين كلأ مباحا لكل سارح وسياجه مهدوم لكل لص وقاطع طريق!
ويرصد د. قوشتي في كتابه القضايا التي هاجم فيها رموز الحداثة الشافعي وفكره والتي تتمثل في:
- تأكيد الشافعي على عربية القرآن الكريم ولزوم ذلك في فهمه والتعامل معه، يقول عبد المجيد الشرفي: "إن المنهج اللغوي المتبع عند الأصوليين هو في حاجة إلى مراجعة ... لأن وظيفة اللغة اليوم اختلفت، وكذلك علاقة اللغة بالمعنى .. فإننا نساهم أيضا في إنتاج المعنى الذي تعبر عنه اللغة"، ومعنى هذا الكلام تبديل معنى النص القرآني والنبوي لمعنى حداثي حديث، وهذه قمة الفوضى في الدين، وقد رأينا نتائج ذلك في المعاني الحداثية الجديدة للحجاب عند شحرور والذي أصبح الحجاب عنه يساوى ملابس البحر النسائية!
- تقرير الشافعي حجية السنة النبوية وأنها جزء من الوحي الإلهي الواجب اتباعه اتباعا لللآيات والأحاديث وفهم وعمل الصحابة والتابعين رضي الله عنهم، ولكن أركون يتهم الشافعي زوراً بقوله: "يعترف الجميع عموماً بميزة أنه فرض للمرة الأولى الحديث على أساس أنه المصدر الثاني الأساسي ليس فقط للقانون والتشريع وإنما أيضاً للإسلام"، ومن بطلان هذا الكلام التساؤل عن مصدر سلطة وقوة الشافعي ليفرض ذلك على كل المسلمين في زمانه وما بعده؟ وهذه التهمة تتصادم مع نص القرآن الكريم الذي يزعم أركون أنه وحده مصدر الإسلام والذي يقول عن النبي صلى الله عليه وسلم: "وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحي" (النجم: 3-4).
- اعتماد الشافعي لحجية الإجماع اتباعاً لقوله تعالى: "ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نولّه ما تولى ونُصْله جهنم وساءت مصيرا" (النساء: 115)، وقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة، ويد الله مع الجماعة" رواه الترمذي وصححه الألباني.
لكن أدونيس ينتقد تأييد الشافعي للإجماع باعتباره تفضيلا للجماعية على الفردية! أما الصادق النيهوم فيعتبر صنيع الشافعي بتقرير حجية الإجماع تكريسا للاستبداد! والعلة الحقيقية أن الشافعي يقرر أن الإجماع يلزمه الاستناد الشرعي ومن أهل العلم، وهذا ما يتناقض مع المرجعية الحداثية وتفتقده رموزها لتشارك في الإجماع تجاه مستجدات العصر!
- موقف الشافعي من تفعيل النظر العقلي في الاجتهاد والقياس، ولكن الشافعي متهم من الحداثيين بأنه "أراد الحطّ من قيمة الاجتهادات الشخصية من رأي واستحسان" كما يقول محمد سعيد العشماوي! وكل هذا بسبب أن الشافعي يربط بين النظر العقلي والاجتهاد والنص الشرعي، وهو ما يريد الحداثيون التحرر منه والانطلاق بلا قيود حتى لو عارض (اجتهادهم) القرآن الكريم والسنة النبوية في أصول الدين!
في الختام : إنَّ هذا الكره والعداء للشافعي يكشفان زيف دعوى العلمانيين أن صراعهم هو مع الإسلام السياسي أو الوهابية والسلفية، أو ظلامية التطرف وداعش، وإنما الحقيقة أن صراعهم هو مع الإسلام نفسه والذي أجمعت الأمة عليه وشادت حضارتها وهويتها عليه منذ البعثة النبوية المباركة.
https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=2217101211668662&id=100001064130511

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق